Contents
Download PDF
pdf Download XML
535 Views
91 Downloads
Share this article
Research Article | Volume 6 Issue 1 (January-June, 2025) | Pages 1 - 7
The Fantastic Character in Najeeb Mahfoodh Novel "Alf Layla and Layla" الشخصية العجائبية في رواية الف ليلة وليلة لنجيب محفوظ
1
Education College for Girls, Department of Arabic Language, University of Mosul, Iraq
Under a Creative Commons license
Open Access
Received
April 14, 2025
Revised
May 29, 2025
Accepted
June 12, 2025
Published
June 30, 2025
Abstract

The fantastic trend has a prominent place and a present phenomenon in the novel as a literary genre and an important field that reflects its aesthetic and expressive value within the elements of narrative construction. The narrative of wonder is one of the most prominent new artistic forms of expression through which the creator exceeds the limits of the traditional framework of the plot, creating through the fantastic an aspect of change within the structure of the text in order to escape from a political or social reality and a desire to move away from direct statement, and to pass some social and political prohibitions and criticisms under the cover of the fantastic as a way of expressing criticism of reality after it has reached the highest degrees of unfamiliarity. The fantastic appears in the novel (The Thousand and One Nights) and has a strong presence in the general components of the novel structure, a desire to penetrate the form of the fantastic, deconstruct some of its symbols, reveal its artistic connotations and penetrate within it, by pointing to the appearance of the fantastic character within the structure of the fantastic text and its characteristics, in addition to the artistic value of the fantastic space and the expressive energy that is capable of attracting the psychological dimensions of the character and the events reflected on it.

Keywords
INTRODUCTION

مقدمہ

مدخل: مفهوم الشخصية العجائبية

وردت في المعاجم العربية مفردة شخص بمعنى: سواد الإنسان يُرى من بعيد[1] ، والشخص أيضاً كل جسم له ارتفاع وظهور والمراد به إثبات الذات[2] ، وقد أجمعت الدراسات العربية على أن مفردة شخصية (character) مشتقة من الأصل اللاتيني (persana) التي تعني القناع أو الوجه المستعار الذي يرتديه الممثل على خشبة المسرح في العصور القديمة لتخفي شخصيته الحقيقية أثناء التمثيل[3]۔ 

والشخصية: "كناية عن مجموع خصائص المرء، الجسمية منها والعاطفية والنزوعية والعقلية التي تمثل حياة صاحبها، وتعكس نمط سلوكه المتكيف مع البيئة، فهي لفظ يجري استخدامها على معانٍ عدة شعبية وسيكولوجية" [4] وقد تكون هي "التنظيم المتسق والدينامي لصفات الفرد الجسمية والعقلية والأخلاقية والاجتماعية حسب تجليها للآخرين في مجال الأخذ والعطاء داخل الحياة الاجتماعية، فهي وحدة متكاملة، تتفاعل مع المحيط بكل مكوناتها [5].

وتُعد الشخصية رُكناً مُهماً من أركان العمل الروائي، وهي تمثل "أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذي تدور حولهم أحداث القصة أو المسرحية " [6]. يقوم الروائي بإنتاج الشخصية ويُبدع في وصفها وتصويرها بوصفها الأساس الذي تقوم عليها الرواية وتحريك الأحداث ويبني شخصياته بتكوين العلاقات فيما بينها، بحيث تكون منسجمة مع بعضها ومنسجمة مع دواخلها النفسية وعلاقاتها الخارجية، وهنا تكمن أهميتها بتعالقها مع شخصيات العمل الروائي وتأثيرها على سير الأحداث وتطورها، وقد دُرست الشخصية من زوايا عدة، منها  [7]:

 

  • الجانب الفكري المعرفي المتكون من وحدات موروثة كالذكاء والقدرات الخاصة.

  • الجانب العاطفي الذي تتكون وحداته من الانفعالية العامة والصفات المزاجية الموروثة الأخرى.

  • الجانب الديناميكي الذي تتكون وحداته من الدوافع الأولية كالعواطف والقيم.

 

وتبقى جمالية الشخصية معتمدة على قلم الروائي من خلال تصويره ووصفه للشخصية وخصائصها الجمالية، وقد تعددت أنماط وأنواع الشخصية في الرواية حسب ظهورها في النص الروائي، ونحاول في هذا الصدد أن نبين أنواع مختلفة من الشخصيات التي وردت في الرواية وسلوكها وتأثيرها في سير الأحداث لذلك فقد قُسمت حسب تطورها في الفن الروائي إلى الشخصية النامية والشخصية المسطحة.

والشخصية النامية: هي الشخصية التي تنمو وتتطور خلال أحداث الرواية "وتتكشف لنا تدريجياً خلال القصة وتتطور بتطور حوادثها ويكون تطورها نتيجة لتفاعلها المستمر مع هذه الحوادث "[8] . وتتميز بقدرتها على مفاجأتنا بطريقة مقنعة، إذ يصبح عنصر المفاجأة أساساً في الشخصية النامية وإلا فتكون شخصية مسطحة تسعى لتكون نامية[9] ، فهي شخصية غير ثابتة، متغيرة تتغير بتطور الأحداث ونموها ولها دور كبير في سير الأحداث، فهي شخصية قد تكون غير مكتملة فتكتمل بنمو الأحداث ويمكن القول أنها شخصية متجددة تظهر بين الحين والآخر بموقف يختلف عن غيره.

أما الشخصية المسطحة: وهي الشخصية التي تدخل عالم الرواية مكتملة فلا تنمو الأحداث ولا تتطور، إنما تلازم حالة واحدة، لا تخرج عنها وتسمى ثابتة باعتبار ثباتها واستقرارها  [10]، وفي هذا النوع من الشخصية تُبنى فيها على "فكرة واحدة أو صفة لا تتغير طوال القصة فلا تؤثر فيها الحوادث ولا تأخذ منها شيئاً وهي لا تحتاج إلى تقديم أو تفسير" [11] . 


 

وهناك تقسيم آخر للشخصية في ضوء الوصف الفعلي لها يتمثل بالشخصية الإيجابية والشخصية السلبية۔

 

والشخصية الإيجابية

وتسمى المدورة، وتستطيع أن تكون واسطة، أو محور اهتمام، لجملة من الشخصيات الأخرى عبر العمل الروائي، فتكون مؤثرة ومتأثرة  [12].

 

أما الشخصية السلبية

وهي الشخصية التي لا تستطيع أن تؤثر كما لا تستطيع أن تتأثر، وكثيراً ما تتوهج وتظهر الشخصية المدورة بفضل هذا النوع من الشخصيات، فكما لا تكون الشخصية المركزية في العمل الروائي إلا بفضل الشخصية الثانوية التي لا تقوم أصلاً إلا بالشخصيات العديمة الاعتبار  [13].

وهناك شخصيات أخرى تظهر في الرواية حسب تمظهرها الخارجي والداخلي  [14]:

 

  • شخصية رئيسة أو مركزية، وتسمى البطل، وينصب عليها الملقي والمتلقي معاً، وتتمحور عليها الأحداث والسرد.

  • شخصية ثانوية، وتسلط الضوء على جوانب في القصة وعلى الشخصية الأولى، فهي مساعدة.

  • شخصية جاهزة نمطية غالباً ما تجيء مسطحة ومعكوسة فوتوغرافيا.

  • شخصية نموذجية نامية، تتميز بقدرتها على التطور مع تاريخ الأحداث وأسلوبها وترتبط بالظرف الحياتي .

 

وقد عمد بعض الروائيين إلى توظيف العجائبي في رواياتهم وذلك "لرغبتهم في التجريب والتنويع " [15]، ومنهم نجيب محفوظ، فظهرت الرواية العجائبية بأركانها العدة ومنها الشخصية العجائبية والتي سنفصل فيها القول في هذا المبحث، وفي صدد بحثنا لدراسة الشخصية العجائبية قسمنا الشخصية على واقعية وعجائبية.

 

والشخصية الواقعية

شخصية إنسانية ليست ملائكية أو شيطانية، وأفعالها خاضعة للمنطق الإنساني وللتفسير والتعليل، وتمتلك خصائص فكرية ونفسية متوافقة مع حدودها وطبيعة عصرها، وتنتمي لطبقة اجتماعية معينة، فهي شخصية واقعية تتمتع بصفات واقعية لا تختلف عن سائر البشر   .[16] 

 

والشخصية العجائبية

هي الشخصية التي يجتمع فيها الواقع واللاواقع، وإن طغى الأخير عليها، وهي تقنية فنية استخدمتها الرواية الحديثة لتعبر عن أزمة الإنسان المعاصر؛ لذلك جاء البناء الفني لهذه الشخصية وفق رؤية جديدة لا تحتفي بالأبعاد الداخلية والخارجية فحسب بل تقوض الصورة الثابتة للشخصية وتهدم مرجعياتها وإعادة تشكيلها بشكل يتجاوز قوانين الواقع والطبيعة  [17].

وجدير بالذكر أن العجائبي "يشتغل في الشخصيات بأشكال كثيرة، كأن تكون مألوفة لتحولات صادمة تؤثر في الوعي وتنتج حالات من التحول النفسي الذي أعطى للذاكرة سلطة الخرق الزمني وتكسير المألوف وتصوير عوالم أخرى على أنقاض الواقع الرتيب، وكأن فضاء الاستيهام هو بناء إسفنجي لامتصاص صدمات وإحباطات الواقع المعيش"[18] ، ويمنح العجائبي لبنية النص الروائي مساحة واسعة للشخصية ولحرية الحركة في سير الأحداث فينتج شخصيات عجائبية قادرة على تغيير دفة الأحداث، وبذلك يمنح بنية الرواية جمالية على صعيد الأحداث والشخصيات، ويُبرز شخصيات متنوعة قادرة على التحول وعلى تقديم أفعال مختلفة عن بعضها ومتنوعة كما في شخصية (جمصة البلطي) التي تبدأ بـ(جمصة) وتمر بـ(عبد الله الحمال) لتتحول بعد ذلك (عبد الله البري) ثم (المائي) وكل شخصية تختلف عن الأخرى في أفعالها وفي تقديمها للقارئ، وكل منها تؤدي وظيفة تختلف عن الأخرى، ويحصل عادة في الرواية العجائبية انزياح عن الواقع لحساب اللاواقع لذلك تتغير الأبعاد المعروفة للشخصية وهي:

 

  • البُعد الخارجي المتعلق بالكيان المادي لجسم الشخصية أي المظهر العام.

  • البُعد الداخلي المتعلق بالأحوال النفسية والفكرية للشخصية وما يطرأ عنها من تغيير.

  • البُعد الاجتماعي والذي يتعلق بالظروف الاجتماعية المحيطة بالشخصية.

إن تغير الصفات الطبيعية للشخصية وإعادة بنائها من جديد يُنتج فراغاً بين الشخصية العجائبية والشخصية الواقعية وينتج رؤية جديدة بوصف الشخصيات العجائبية من أجل تحريك الفعل العجائبي وتقويته؛ فهناك شخصيات متأرجحة وشخصيات قلقلة وشخصيات تختفي  [19]؛ لذلك نجد أن الرواية العجائبية يُستخدم فيها كل عجيب وخارج عن المألوف فيخرجون عن الصفات الطبيعية المعهودة باستخدام صفات عجائبية تتغير بها الصفات الجسمانية إلى ملامح عجيبة، ويتم في الروايات العجائبية "وصف مخلوقات غير مرئية أو تحويل الشخصيات المرئية إلى شخصيات غير مرئية وتعمل هذه المخلوقات (...) على خرق العُرف الطبيعي وخلق قوانين جديدة، وتنحو بعضها الروايات العجائبية (...) إلى إحياء الكائنات غير الحية لإبداع مشهد عجائبي يثير الدهشة ويسري الوصف فيها على الإنسان والحيوان والنبات"[20] ، ويوصف في الشخصيات العجائبية أوصاف عامة وأحياناً مبهمة، فهي تقدم معلومات مبهمة وقليلة عن الشخصية، ويتميز الوصف فيها بالتجريد والعمومية مما أدى إلى ابتكار شخصيات لها ملامح لكن بصيغ مختلفة، فهي شخصيات ضبابية ذات وظائف متعددة، فهي لا تظهر بصورة واضحة إنما يتم إطلاق صفات عامة عليها لكي تكون غامضة من أجل أن تكون أكثر تأثيراً في بنية الرواية وشكلها ومن ثم في نفسية المتلقي فهي أفضل من الشخصية الواقعية لأنها مرت بمراحل تطور من الواقعي إلى خارج الواقع بصفات جديدة خارقة لكي يصف قدراته السابقة والكم الهائل من المعلومات في المادة وتشكيل أحداث المجتمع من جديد لكي يكون أكثر تأثيراً وحضوراً في المجتمع. وتمتاز رواية (ليالي ألف ليلة) بقدرتها على بناء العجائبي في الشخصية فهي "تنمو بدورها داخل الواقعي وتتفاعل معه بالصراع مستثمرة وظائف الرغبة والقدرة والمعرفة وسلطة اللاشعور والتحول، وتدخل الغيب لبناء أفعال العجائبية تؤسس لمصائر وأقدار تُحيِّر وتُدهش، لكنها تبدع واقعاً ثانياً جديراً بالانتباه" [21]، فبحضور العجائبي في النص الروائي تتعدد وظائف النص، نتيجة للرغبات والمكبوتات النفسية والداخلية التي تحرك شخصياتها وتتحكم في أفعالها ويخدم كل ذلك التحول من حالة إلى أخرى كتحول شخصيات واقعية في الأصل إلى عجائبية تلبست بالفعل العجائبي، مما يثير في نفس المتلقي عنصر الجذب والانتباه والدهشة، فضلاً عن المتعة المتحققة وهذا ما يطمح إليه العجائبي وما يمتاز به.

 

المبحث الأول

الشخصيات العجائبية في الأصل

وهي الشخصيات التي تظهر في الرواية عجائبية منذ البداية، فلم يطرأ عليها أي تغير كعوامل خارجية تجعلها تكون عجائبية إلى نهاية الرواية، فهي شخصيات تحددت وظيفتها في الإطار العجائبي، ونجد هذه الشخصيات كالأشباح رُغم سلوكها البشري (متنكرين) ومعرفتهم بما يدور في الواقع، فهم يُحركون الحدث ويختفون عن الوجود، وهم شخصيات تخترق عالم الرواية من غير استئذان وتحاول التأثير على مجرى الأحداث وكأنها القوى المهيمنة والمسيطرة على أحداث الرواية، فتُحرك الشخصيات بحسب رغباتها مما يوصلها إلى نهاية كارثية في الأعم الأغلب. وهذه الشخصيات هي:

 

العفاريت وهي:

 

  • العفاريت المتمثلة بعالم الخير (قمقام – سنجام)

  • العفاريت المتمثلة بعالم الشر (سخربوط - زرمباحة)

  • العفاريت المتنكرة، العفريت الذي ظهر لمعروف الإسكافي 

  • سخربوط متنكر بهيئة رجل (عفريت طاقية الإخفاء)

  • العفريتة زرمباحة متنكرة بهيئة حسناء هي (أنيس الجليس)

  • مارد قبيح الوجه،  وهو حارس الباب الذهبي.

 

سحلول تاجر المزادات والتُحف، نائب عزرائيل في الحي، (ملاك)

الشخصيات المرافقة للسلطان (شهريار) في المدينة العجائبية وهي:

العفاريت: اتسمت رواية (ليالي ألف ليلة) بفنية توظيف شخصيات العفاريت التي تشكل جزءاً مهماً من شخصيات الرواية، وما قامت به من أفعال أسهمت أسهامًا ملحوظاً في نمو الأحداث وتصارعها، وتطورها، وتغير مجراها. كان حضور شخصيات العفاريت في نص الرواية بارزاً وقوياً فقد مارست دور الشر أحياناً، وفعل الخير أحياناً أُخرى، فهي شخصيات حركية ومثيرة نتيجة لقدرتها على صنع الحدث الروائي والتفاعل معه.

وتستخدم مفردة (العفريت) غالباً للدلالة على شخصيات خُرافية أو خيالية، وتستعمل الكلمة في العربية المعاصرة بمعنى المبالغة سواء بالحركة أو بالدهاء والعفرية: الداهية، والعفارة الخبث والشيطنة، والعفريت من الرجال النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبثٍ ودهاءٍ والعفريت من كل شيء، المبالغ سواء إيجابي أو سلبي، قال تعالى: )قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ [22] ، فالعفريت من الرجال الخبيث الذي يضر إخوانه، ومن الشياطين الخبيث المارد [23] ، وقد عكس المدلول المعروف بالذهنية الشعبية في دور هذه الشخصيات في نص الليالي فهي تمثل "القوة والسرعة والبطش والعتو والقدرة على إنجاز كل شيء في لحظة واحدة " [24].

 

مثلت شخصيات العفاريت

حسب رأي محفوظ – في الليالي جانبين مهمين في إطار التحديد الوظائفي للرواية وهما جانب الخير المتمثل بـ(قمقام وسنجام) وجانب الشر المتمثل بـ(سخربوط وزرمباحة). وحملت تسميات العفاريت دلالات متعرجة ومبهمة غير واضحة والغرض منها بث الرعب في المتلقي وجذب الانتباه والتأثير فيه، وقد استعان محفوظ بحكايات ألف ليلة وليلة في إظهاره لمثل هذه الشخصيات.

قُدمت شخصية العفريت (قمقام) بطريقتين، الأولى: من الراوي والثانية: تقديم نفسها ونرى هذا واضحاً إذ "انغرزت قدماه في زغب سجادة فارسية، مد ذراعه متلمساً موقع الشمعدان فارتطمت بكثافة صلبة فجفل متسائلاً: ما هذا؟ جاء صوت غريب لم يطرق أُذنيه مثله من قبل... لا صوت إنسان ولا صوت حيوان... اجتاح حواسه " [25].

هيمن الصوت على المكان حتى كأنه انتشر في المدينة كلها و"نطق الصوت في غضب: دست رأسي يا أعمى!... أكد الصوت قائلاً: دست رأسي يا جاهل قال بنبرات مرتجفة: من أنت؟ أنا قمقام ... قمقام؟! عفريت من أهل المدينة.. أوشك أن يتلاشى من الرعب فانعقد لسانه... آلمتني فحق عليك العقاب "

وقد أفضى مجيء شخصيات العفاريت وسلوكها في نص الرواية إلى تعقيد الحدث وإفعامه بالحركة والتشويق، (فالعفاريت) شخصيات تخترق بنية الرواية فتغير مجرى الأحداث وتتحكم في سيرها، وفي مصير الشخصيات الروائية حتى توصلها لنهايات سلبية، فهي تؤدي وظيفة فنية هي "الشر وعن طريقها تنشأ الحركة الفعلية للحكاية "  [26]فالشرير (المعتدي) أحد الأدوار الرئيسة التي يمكن أن تقوم بها الشخصية في الحكاية العجائبية التي تظهر أثناء الحدث أول الأمر فجأة وبشكل جانبي ثم تختفي، وتظهر ثانية لتقدم نفسها في زي الشخصية موضع البحث[27] ، وتخرج العفاريت دون سابق إنذار، فترتبك أحوال البطل لهذا الظهور، تشق الحائط فتخيف، أو تكون حيواناً متنكراً مسحوراً، وتتنكر في صورة البشر لتحقيق أهدافها [28] .

واستمر العفريت (قمقمام) بالظهور في حياة (صنعان) بين الحين والآخر حتى وكان تأثيره كبير أن تغير مجرى حياته من تاجر محترم له مكانته في المدينة، إلى مجرم انتهى به المطاف إلى النطع في سوق المدينة، والملفت للنظر أن محفوظاً لم يستخدم شخصيات الجن في (الليالي)، إذ اقتصر على ذكر شخصيات العفاريت وحسب، في مقابل أن (حكايات ألف ليلة وليلة) الأصلية اعتمدت على توظيف شخصيات الجن والعفاريت، فالجن: "غير قادرة على الشر الكثير، وهي غالباً خيرة وعلاقتها بالإنسان حسنة تكون عرفاناً بالجميل أحياناً، وحباً حيناً آخر. فهم يحتكمون على جيوش وممالك ولهم دولة وعز وسلطان، وهم يسخرون العفاريت وبعض الحيوان لأغراضهم " [29].

فـ(قمقام) شخصية سلبية تسعى لتحقيق رغباتها أو أهدافها بشتى الوسائل والأساليب، وتبرز أهميتها في صياغة الحدث، وإسهامها في مسارات النص الروائي وحركتها داخل بنية الرواية باستخدام العجائبي.

أما الشخصية الثانية التي وظفها محفوظ لتمثل عالم الخير، العفريت (سنجام) وكان ظهوره لأول مرة لشخصية (جمصة البلطي كبير الشرطة) أثناء ممارسته هواية الصيد عرض السارد شخصية العفريت (سنجام) من خلال السرد الموضوعي ويكون الكاتب فيه عادة "مقابلاً للراوي المحايد الذي لا يتدخل ليفسر الأحداث، وإنما ليصفها وصفاً محايداً كما يراها أو كما يستنبطها في أذهان الأبطال" [30]، ويظهر تقديم الروائي للشخصية في النص "ذهل جمصة البلطي.. ثمة كرة معدنية ولا شيء سواها... تناولها حانقاً، قلبها بين يديه، ثم رمى بها في باطن القارب... أحدثت صوتاً عميقاً مؤثراً.. حدث بها شيء غير ملحوظ فتمخض عن انفجار... انطلق منها ما يشبه الغبار مدوياً في الجو حتى عانق سحب الخريف.. تلاشى الغبار تاركاً وجوداً خفيفاً جثم فملأ شعوره بحضوره الطاغي... ارتعب جمصة على إيلافه مواقف الخطر... أدرك بسابق علمه أنه خيال عفريت منطلق من قمقم " [31].

من الملفت للنظر أن الرواية تحدثت عن عالمين من العفاريت عالم الخير وعالم الشر، عالم الخير المتمثل بـ(قمقام وسنجام) ولكننا ومن خلال قراءتنا لنص الليالي وجدنا أنها قد تقوم بأعمال شريرة؛ تأمر شخصيات الرواية بالقتل وتدعي أنها عفاريت مؤمنة غايتها الخير والخلاص من الحكام الفاسدين بوساطة القتل، إلى جانب ذلك عملية القتل تحمل دلالة سلبية هي "الإذلال والإماتة " [32]، فالعفاريت تستخدم قدرتها الخارقة في الشر لتقوم الشخصيات المتأثرة بها بأعمال سلبية القصد منها على حد ادعائها إيجابي.

ويتمثل العالم الثاني بعالم الكفر والشر بـ شخصية العفريت (سخربوط) والعفريتة (زرمباحة). وقد قدم محفوظ شخصيتي (سخربوط وزرمباحة) العجائبية بوساطة غيرها بذكر أسمائهم وصفاتهم التي عُرفوا بها.

وجدير بالذكر أن التقديم الذي يُظهره الآخرون عن الشخصية، يزودنا بعنصر مكمل ويحل للحدود الضيقة ولمصاعبها تلازم الصورة الذاتية، فالشاهد بوصفه متجهاً إلى الخارج لا يمنحنا قدراً كبيراً ومهماً من المعلومات عن العنصر السردي، لكن الحوار قد يتيح لنا تقديم الشخصية بصورة موحية وبارزة  [33]. ونجد ذلك واضحاً في تقديم شخصية العفريت (قمقام وسنجام) لشخصيتي: (سخربوط وزرمباحة) "حط فوق غصن قريب عفريت وعفريتة ثملين بالمجون فهمس سنجام: - سخربوط وزرمباحة! فهمس قمقام: -الكفر والشر... وضحك خربوط ساخراً وقال معلقاً: نحن نستمتع بالكون بلا خوف " [34].

وقد تظهر العفاريت في الرواية متنكرة للوصول إلى مآربها متمثلة بشخصيات البشر، كشخصية العفريت (سخربوط) متنكراً بشخصية رجل ليمنح (معروف الإسكافي) القوة الخفية، وأمره بقتل الأخيار من شخوص الليالي، ومرة ثانية بظهوره لـ(فاضل صنعان الجمالي) وأهداه طاقية الإخفاء  [35].

وتستحضر ظاهرة التحول كائنات فوق الطبيعة كالجن والعفاريت، وتتحول إلى كائنات ذات طبيعة بشرية وبالعكس، إذ تتحول كائنات طبيعية كالنباتات إلى كائنات حيوانية أو جنية مما يحرك ذهن القارئ ويشده للجذب  [36].

تنكرت شخصية (العفريتة) بامرأة حسناء غاية في الجمال، وسكنت بدار قديمة كانت مهجورة عُرفت بالدار الحمراء وعرفت العفريتة بـ(أنيس الجليس) أو (ست الدار).

صور الروائي شخصية (أنيس الجليس) من خلال الوصف ويتحلى هذا واضحاً في وصف الشخصيات لها "لمحت صاحبة الدار تبارك الخلاق العظيم (...) نظرة منها تملأ الجوف بعشرة دنان من خمر الجنون (...) إنها لا توصف يا سيدي ولكني أسأل الله الرحمة والغفران (...) لمحت ست الدار أعوذ بالله من عنف الجمال إذا طغى (...) وإذا بعجر الحلاق يتحدث عنها بجنون لكل زبون يقصده... يقول: -عصفت بتوبتي وأصابتني بسهم العذاب الأبدي" [37]، وقد عرفت في المدينة بأسم "أنيس الجليس وتضاربت الأقوال في وصفها حتى أثارت الشك في عقول الواصفين، فمن قائل إنها بيضاء شقراء، ومن قائل إنها سمراء خمرية صافية، ومن منوه ببدانتها إلى متغزل في رشاقتها... هيج ذلك مكامن الأشواق فتوثب الأعيان والموسرون لاقتحام المجهول " [38]، وما يؤكد جمالها الفتان اسمها الدال على جمال ومتعة الجلوس بصحبتها و(أنيس) صيغة مبالغة بوزن فعيل مُبالغة في الأُنس، يُقال: "أنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحِش منه " [39].

رمز محفوظ بشخصية (أنيس الجليس) عن السلطة الكبيرة والحكام والرغبات الدنيئة للحكام والسلطان وكبار رجال المدينة في الرواية، فهم يسعون لتلبية رغباتهم الشخصية كالجنس وغيره من حب المال والمناصب، وكان ذلك سبباً لوقوعهم في شر رغباتهم، وهذا يشير إلى حقيقة الحكام وبيان فضائحهم وتدنيهم أخلاقياً.

عكس جمال شخصية (أنيس الجليس) فتنة للمجانين في المدينة، وليس العقلاء، فتمكنت من إيقاع كل رجال الدولة وجمعهم في خطة ماكرة لفضحهم. "تسلل الرجال من الأصونة في حذر وإعياء يترنحون من الإرهاق... لم يفتح أحد منهم فاه من القهر والخجل، عُراة الأجساد عُراة الكرامة يتخبطون في الظلام (...) يفتشون عن ملابسهم عن أي ملابس عن أي شيء يستر العورة (...) وهمٌ أو كابوس، أما الفضيحة فحقيقة، إنه الذل واليأس انطلقوا حُفاة عرايا في ظلمة الليل (...) بصقهم المجد وعلاهم الخزي وكسا الإثم وجوهم بطبقة من القصدير المذاب " [40].

تمكنت شخصية (المجنون) [41]. من مقاومة إغراء العفريتة وبتلاوة خفيفة لذكر الله والتسبيح استحالت (العفريتة) دُخاناً وتلاشت ثم لم يُرَ لها أثر.[42] 

 

سحلول تاجر التحف والمزادات / نائب عزرائيل في الحي

شخصية عجائبية فرعية في الرواية، استندت في وصفها ودورها في الليالي على ثيمة الموت، وهي شخصية ثانوية مساندة، تسعى لفعل الخير، وتسهم في صنع الحلول وتطور الأحداث بشكل بسيط ومن بعيد، فهي شخصية بزرت بشرية في سلوكها وتصرفاتها مع شخوص الرواية، وعجائبية في أفعالها الخفية، فتعمد الشخصية لإستخدام عنصر العجائبي لحل مشكلات شخصيات الرواية.

شخصية (سحلول) ضبابية وغامضة لم يقدم الكاتب لها ملامح جسدية أو نفسية، وتكون شاهدة لما يحصل من أحداث في الرواية وغالباً ما تظهر عند مقتل أو موت إحدى شخصيات الرواية، من ذلك ظهوره عند إعدام شخصية (جمصة البلطي) كبير الشرطة من خلال تدخل السرد الموضوعي "أما جمصة البلطي فيقترب من النطع بين حراسه ... وجه واحد تراءى له كثيراً حتى عجب لشأنه هو وجه سحلول تاجر المزادات والجواهر"[43] ، فشخصية (سحلول) يُمكن عدها شخصية "غير متورطة في الرواية، تُعلق على الأحداث والشخصيات أحياناً وحديثه يكون فلسفيا ووعظياً " [44].

جاء تقديم شخصية (سحلول) من خلال شخصيات العفاريت في الليالي "ومر تحتهم في تلك الليلة اللحظة المعلم سحلول تاجر المزادات والتحف فأشار إليه قمقام قائلاً: -إني أغبطه على معاشرته لهم كأنه آدمي مثلهم ! فقال سنجام مشاركاً: - ولكنه ملاك، نائب عزرائيل في الحي، واجبه يقتضي الاختلاط بهم ليل نهار، ويحل له ما لا يحل لنا، فقال قمقام: لندع الله يلهمنا الصواب فرد سنجام: آمين" [45] ، فهي شخصية عجائبية استندت في وصفها على ثيمة الموت بوصفه هاجساً إنسانياً أخذ حيزاً كبيراً من التصور في الأديان والفلسفات الميتافيزيقية"  [46].

وتظهر شخصية (سحلول) شخصية مساندة لشخصية (المجنون) في الليالي، فتسهم في فعل الخير بتدخل بسيط في الرواية "انتهى سحلول إلى سور دار المجانين ووقف في الظلماء... همس لنفسه: -لولا الإيمان لتساءلت عن معنى ذلك... وسلط إراداته على الأرض فيما بينه وبين زنزانة جمصة البلطي فانشق نفق لا يستطيع البشر شقه في أقل من عام... وفي ثوان كان واقفاً في الظلام فوق رأس جمصة البلطي يسمع شخيره المنتظم... هزه برفق فاستيقظ متسائلاً من؟ فقال له: لا أهمية لذلك، جاءك الفرج، هات يدك لأنطلق بك إلى الحُرية (...) إلى مقامك المنعزل القديم على شاطئ النهر"، وقد مزجت شخصية المعلم (سحلول) بين عالمين الواقعي والعجائبي، فهو يحل بين الناس، يتعايش مع حياتهم الواقعية وسلوكهم كبشر، وعندما يقبض أرواح الناس يتحول إلى عجائبي، فلا يستطيع أحد رؤيته، ويكون موجوداً بين شخصيات الرواية عند تعرض أحدهم للقتل أو الإعدام، فهو أداة فنية وظفها محفوظ في الليالي شاهدة على تنفيذ حكم العدالة وإحقاق الحق، وهو رمز للموت الذي تواتر ذكره في كل فصل من فصول الليالي. 

 

الشخصيات المرافقة للسلطان (شهريار) في المدينة العجائبية

تنتهي (ليالي) نجيب محفوظ بهجر السلطان (شهريار) المال والجاه بحثاً عن الخلاص من ذنوب الماضي وأملاً في إيجاد غدٍ مشرق. قادته قدماه إلى الخلاء قريباً من جزيرة اللسان الأخضر، وجد حاشيته تبكي حول صخرة، وقبل بزوغ الفجر تركوا الصخرة، فآوى (شهريار) إليها محاولاً زحزحتها وصولاً إلى مدخل لها دخل فيه حتى انتهى لبركة ماء صافية، سرعان ما خلع ملابسه وغاص في الماء[48] ، فشعر بأنه ولد من جديد وكان خروجه من الماء مخاض ميلاد جديد لحياة جديدة التي تمثلت بالمدينة العجائبية، دخل المدينة رأى صبية ملائكية غاية في الجمال والرقة قادته إلى الملكة وهي شخصية ثانوية اقتصرت وظيفتها على إيصال (شهريار) للملكة، ملكة المدينة العجيبة، فوجد صبايا كاللآليء، وهم شخصيات ثانوية، وخادمات للملكة الحسناء  [49].

 

المبحث الثاني

الشخصيات المتلبسة بالحدث العجائبي

وهي التي كانت في الأصل شخصيات واقعية، وتحولت إلى عجائبية، فانتقلت وظيفة العجائبي وسمته إلى الشخصية الواقعية، فتحولت إلى عجائبية تؤدي سمة وتصرفات ووظيفة الشخصيات العجائبية، فهي شخصيات بشرية من لحم ودم ولكنها قابلة للتحول من صورة إلى أُخرى، وقد حاول نجيب محفوظ إعطاء فاعلية تهويلية لنصه بتوظيفه هذه الشخصيات وفي الغالب هي شخصيات مُطيعة للنوع الأول تتأثر بأمرها دون تردد وواقعة تحت هيمنتها وتستجيب لطلبها بيسر وسهولة دون تفكير، وتبدو سلبية في مواقفها مما يؤدي إلى انهيارها والقضاء عليها في النهاية وهكذا فإن نهاية كل الشخصيات المتحولة نهاية مأساوية تراجيدية، وهذه الشخصيات هي:

 

  • جمصة البلطي وعبد الله الحمال في آن واحد، ثم عبد الله البري، وعبد الله البحري، والمجنون وأخيراً عبد الله العاقل.

  • فاضل صنعان الجمالي صاحب طاقية الإخفاء.

  • معروف الإسكافي والقوة الخفية.

  • شهريار السلطان بدخوله المدينة العجائبية.

 

جمصة البلطي

من الشخصيات المتلبسة بالحدث العجائبي، وهي شخصية مزدوجة جمعت بين عالمين العالم الواقعي والعجائبي، وتبرز في أغلب حكايات (الليالي)، فهي شخصية متحولة أدت وظائف مختلفة بمراحلها الثلاث وظهرت بأسماء وأوجه مختلفة على مدار أحداث الرواية، وهي من الشخصيات الأكثر حضوراً وتميزاً موازنة بغيرها من الشخصيات العجائبية، إذ خُصص لها المساحة الأكبر في الليالي.

قدم لنا نجيب محفوظ العنصر السردي (جمصة البلطي) كبيراً للشرطة، ومتزوجاً من (رسمية) وله بنت هي (أكرمان). وبدأت حكايته بذهابه للنهر لممارسة هوايته في الصيد، وذُهل بكرة معدنية تجلت له في الشبكة، تناولها ثم رمى بها بسرعة في باطن القارب، أحدثت صوتاً مدوياً وانفجاراً قوياً أسفر عن ظهور خيال عفريت خرج من القمقم[50] .

وقد وصف محفوظ شخصية (البلطي) وصفاً خارجياً دقيقاً إذ يستطيع القارئ تخيل البنية الجسدية للشخصية كالهيئة وسمة الوجه، وطبيعة البشرة، ثم ينتقل إلى البناء النفسي للجسم من خلال الانفعالات الداخلية والصراعات المشحونة في أعماق الشخصية بالتحامه بين عالمين، العالم الواقعي وسلوكه البشري، وبين الجو العجائبي، إذ يقدمها في الرواية بـ"جمل لغوية مترابطة تترشح عنها مجموعة أوصاف تمثل ملامحها وأفعالها، وأفكارها وتكتسب خصوصيتها من خلال تلك الأوصاف التي تنمو وتتطور شيئاً فشيئاً"[51] . 

والملفت للنظر أن التحول والاختلاف في الوظائف يقترن بتحول في الشخصيات في النص السردي إذ تنتقل شخصية (البلطي) بين عالمين، تلتحم بالعالم العجيب الممتلئ بالخوارق والعفاريت عندما يحارب الفساد ثم يعود (عبد الله الحمال) ليتابع أخبار أسرته وأحوالهم وتلجأ النفس الإنسانية للحلم للتخفيف عن النفس عندما لا تستطيع أن تحقق رغباتها في الواقع وتتوق إليها تحاول تحقيقها عبر الحلم والرؤية "فالدافع إلى الحلم في النفس ذاتها، في ثقل أفعالها وحاجتها إلى التخفيف، فالأخيلة المنبعثة في الحلم من أعماق النفس تتأثر بفعل المنبهات العصبية"[52] ، وهذا يوحي إلى "موت النفس الشريرة في العنصر السردي (البلطي) موتاً أبدياً إلى حد أنه استغنى عن اسمه، واتخذ له اسماً جديداً لشخصية جديدة، تتمثل فيها نوازع الخير، ولذلك جاء الاسم وفق المسمى إنه (عبد الله) ...! و إنه (حمال) حمال هموم وأوزار الشخصية السابقة، شخصية جمصة البلطي القاتل[53] ، والعنصر السردي (البلطي) في رحلته الحلمية يرى أكثر من حلم وهو عملية جسمية تقع كل ليلة في الجهاز المختص بالنشاط النفسي، وظيفته حماية هذا الجهاز من فرط التوتر، إذ يقوم بتنظيف النفس من الانفعالات "[54] .

إن مزج محفوظ بين العالم الواقعي وجو عجائبي يشكل رمزاً لحركة الإنسان بين المادة والروح، تقوده شخصية تمثل فكرة الانعتاق من المادة والتراب والمال والسلطة والجاه والقوة والظلم والطغيان إلى آفاق الروح التي تنفي العناصر السابقة  [55].

برزت شخصية (البلطي) في الليالي على صعيد سير نمو الأحداث، إذ نراها تلجأ إلى النهر كالمعتاد "رأى شبحاً نصفه في الماء ونصفه مستند بساعديه فوق الشاطئ... سأله: أءنت بحاجة إلى مساعدة؟ -أنا عبد الله البحري كما أنك عبد الله البري وقبضة الشر تتوتر للقبض على عنقك – سيدي ماذا يبقيك في الماء؟ ... من أي الأحياء أنت؟... ما أنا إلا عابد في مملكة الماء اللانهائية " [56]، فتضيء الرواية شخصية جديدة (عبد الله البحري) وهي شخصية ثانوية، صورت لمساندة شخصية (عبد الله الحمال)، وفي الأصل هي شخصية ثنائية مزدوجة فقد وظفت شخصية (البحري) لتؤدي وظيفة "إنقاذ البطل من المطاردة "[57] ، وتبرز أهميتها نظراً لمسيرة الفعل الذي تؤديه، فيأمره (عبد الله البحري) أن يغوص في الماء، ويخرج من الماء شخصية جديدة بـ"ظهور جديد" [58]  ذو ملامح غير معروفة لا هو (حمال) ولا هو (البلطي) إذ غيره ماء النهر بالتحول من حال إلى أخرى من خلال التطهر بالماء، إذ تحول العنصر السردي إلى صوت للنقاء والصفاء لا يستعبده الهوى ولا تطوف به خيالات المعصية، فقد تجاوز مرحلة الهوى إلى الانعتاق من عبودية النفس ليصل إلى الحق. فقد استعمل محفوظ الماء رمزاً إسلامياً للتطهر الروحي[59] ، وقد جاء في القرآن الكريم، ما يعضد هذه الدلالة، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) ( [60]، وقدمت شخصية (عبد الله البحري) عن طريق الحوار الذي يُعد نمط تواصل [61] ، ووسيلة سردية مهمة تسهم في نمو الشخصيات وتُعبر من خلالها عن مشاعرها وأفكارها ورؤاها، ولا تقف وظيفة الحوار عن كشف خفايا الشخصية بل تسهم في بنائها، بوصفه وسيلة من وسائل التشخيص .[62]

اجتاحت قوات الأمن أزقة المدينة بحثاً عن (عبد الله الحمال) وسيق الكثيرين إلى السجون، وسرعان ما قصد (عبد الله البري، صياد السمك) (بيومي الأرمل) حاكم الحي "انتبه إليه كبير الشرطة متفحصاً وسأله: -من أنت؟ -عبد الله البري صياد السمك، من منظره شك كبير الشرطة في جنونه فأمر بتكبيله بالحديد اتقاء لخطره ثم سأله: -ولم قتلت عدنان شومة؟ فأجابه ببساطة: -إنني مكلف بقتل الأشرار... -من الذي كلفك بذلك؟ -سنجام، ذلك العفريت المؤمن، وبوحيه قتلت خليل الهمذاني وبطيشة مرجان وإبراهيم العطار " [63]، فعقب كبير الشرطة "سبق أن اعترف بقتل الهمذاني كبير الشرطة الأسبق جمصة البلطي... فهتف الرجل: في الأصل كنت جمصة البلطي! -رأسه معلق بباب داره! -وقد رأيته بعيني رأسي! وتُصر على أنك صاحب الرأس..! -لا ريب في ذلك وسوف تصدقني عندما تسمع حكايتي... -لكن كيف ومتى ركبت هذا الرأس الجديد؟ -دعني أطلب سنجام شاهداً.... فصاح الرجل: -إنك جدير بالإقامة الدائمة في دار المجانين... وأمر بإرساله من توه إلى دار المجانين فمضوا به وهو يصرخ: إلي يا سنجام... إلي يا عبد الله البحري.." [64].

يقدم الروائي شخصية (البلطي) شخصية قريبة من هموم الناس، ويستعملها كأداة لدفع مكروه عن إحدى العناصر السردية في الرواية، فتصبح طرفاً مهماً في حل مأزق يقع بين شخصيات (الليالي)، وساند الكاتب شخصية (البلطي) بشخصية ثانوية (سحلول تاجر التحف والمزادات)، لإخراج (جمصة) من دار المجانين، وهنا تتدخل الخوارق والعجائب في إخراجه ويُعرف (بالمجنون) وهو كمال العقل والحكمة التي وصلتها الشخصية نتيجة مراحلها التي مرت بها.

لقد قُدمت شخصية (البلطي) متعددة الأبعاد نتيجة للتحولات التي طرأت عليها منذ الوهلة الأولى لاختراق العفريت (سنجام) حياتها، وفي النهاية نجد أن (البلطي) في شخصية (المجنون) قد اختطت لنفسها طريق الخير إذ أصبحت الوعاء الحامل لنوايا الخير، فهي شخصية إيجابية أغنت الرواية بتطور الأحداث، وتحكمت بأفعالها وسلوكها وعلاقتها بغيرها فكانت "واسطة أو محور اهتمام، لجملة من الشخصيات الأخرى عبر العمل الروائي، فتكون ذات قدرة على التأثير، كما تكون ذات قابلة للتأثر " [65].

فهي شخصية تصنع الأحداث، وتنتهز الفرص للتأثير على من حولها من الشخصيات، فهي تتخذ عواطفها وانفعالاتها الداخلية في معظم الأحيان طابع العمل، وتتواتر إيجابيتها من حركتها البناءة نحو تغيير الواقع المعاش، مجتازة ما يعترضها من عقبات وصعوبات  [66].

لقد شكلت شخصية (المجنون) وحدة سردية من الوحدات التي قامت عليها بنية الرواية وأضفت عليها غنى وجمالية، إذ واكبت جميع حكايات الليالي ونجد ذلك من خلال وظائفها المتعددة، فقد كشفت حقيقة يوسف الطاهر وشقيقتيه (جلنار وزهريار) اللتان كانتا تجلبان له النقود من حياتهم الداعرة، وكاتم السر (حسام الفقي) يتستر عليهم.

ونرى (البلطي) يقتحم دار (أنيس الجليس) وهي امرأة حسناء (زرمباحة العفريتة) حشدت أفكارها الماكرة وأوقعت بكبار رجال المدينة والدولة، وكشفت خزيهم وحقيقة أمرهم، فقد فتنتهم بجمالها الذي كان فتنة للمجانين لا العقلاء. تمكن من القضاء عليها، فانصهرت في عجينة ثم استحالت دخاناً وتلاشت في الهواء. ويقوم السلطان بتعيين (المجنون) كبيراً للشرطة باسم جديد هو(عبد الله العاقل) لما رأى منه من نشر الخير ولنيله ثقة السلطان، حازت شخصية (جمصة البلطي) بتحولاتها على الحضور المتميز في الليالي، فهي شخصية محورية نبضت بالحركة والحياة والتفاعل على مدار الحكايات سواء على مستوى تطور الأحداث أو على مستوى تعالقها مع شخصيات الرواية الأخرى.

وجدير بالذكر أن العنصر العجائبي أسهم بشكل فاعل في تطور شخصية (البلطي) وحرية حركتها، وهي من أعمق شخصيات (الليالي) وأكثرها تعقيداً. وهي رسالة إلى كل الحكام وكبراء الشرطة الفاسدين، إلى ما يعانوه من تأنيب الضمير والندم وما يعانوه من الخوف نتيجة ما ارتكبوه من جور للناس. حتى أن أفعالهم تلاحقهم في أحلامهم، لذلك هناك من يرى أن الحلم "انبعاث من غير تصريح لرغبات وأمان مقموعة، تحت ملامح وأسماء مزيفة" [67]، وهذا ما فعله العنصر السردي (البلطي) في الحلم الذي ظهر بأسماء وملامح مختلفة غير حقيقية ليصرح برغباته وأمانيه في أن يكون كبير شرطة صالحاً، فهو شخصية عجائبية أحدثت أثراً إيجابياً في المتلقي، لإثارة الاندهاش لديه من خلال الخروج عن إطار المألوف، وذلك بتوظيف تقنية الحلم التي تمخض عنها "تصورات غير واقعية تهدف إلى إشباع الرغبات اللاواعية" [68].

 

فاضل صنعان الجمالي

شخصية رئيسة في الرواية وردت في حكايات الليالي شخصية واقعية، وأضاءت النص الروائي بوصفها شخصية عجائبية، بحصولها على طاقية الإخفاء هدية منحه إياه العفريت سخربوط في أحد أيام الصيف الحار، وهنا يتدخل عنصر العجائبي ويغير مجرى الأحداث ويضفي عليها عنصر التشويق والتفاعل.

قُدمت شخصية (فاضل) كشخصية نامية من خلال السرد المباشر "وكان فاضل صنعان يخلد إلى الراحة فوق سلم السبيل في أعقاب نهار حار من فصل الصيف... إنه يفتقد دائماً علاء الدين ويترحم عليه من قلب مكلوم... ويتساءل في غضب متى يجيء الفرج؟... وانتبه إلى رجل مشرق الصورة بسام الثغر يقبل نحوه فيجلس إلى جانبه تبادلا تحية ولكن الرجل أولاه اهتماماً كأنما جاء من أجله "[69] . فيقوم الروائي بانتخاب الأحداث ويعللها ويفسرها، ويقدم الشخصيات في صراعها الفكري والنفسي، وينتقل بين عناصر الرواية بحرية دون أن يسوغ أفعاله  [70].

وتظهر شخصية (فاضل) أحياناً عن طريق الحوار بوصفه عنصراً مهماً من عناصر النص الروائي وتقنية سردية تكشف عن "الأفكار والشخصيات وعواطفها وطبائعها الأساسية" [71]، ويظهر ذلك واضحاً في الحوار بين العنصر السردي (فاضل) والعفريت المتنكر برجل "انتظر فاضل أن يفصح الرجل المشرق عن خواطره ولما لم يفعل قال: لست من حينا فيما اعتقد؟ فقال الرجل بمودة: -صدقت فراستك ولكنني اخترتك ... فحدجه بحذر تلقنه من مطاردة المخبرين وسأله... -من أنت؟ -لا أهمية لذلك، المهم أنني من رجال الأقدار، ومعي لك هدية، فقطب فاضل في حذر أشد وهو يتساءل: - من مرسلك؟ ...أفصح فإنني لا أحب الألغاز..." [72].

(فاضل) إحدى أهم الشخصيات المتلبسة بالعجائبي والمدلول اللغوي لاسم العنصر السردي يشير إلى الإحسان والسماحة وعمل الخير. فهي شخصية مسالمة وفقير الحال وذلك بعد إعدام والده (صنعان الجمالي) ومصادرة أموالهم، غدا بائع حلوى متجول وما إن حصل على طاقية الإخفاء حتى تغير مجرى حياته، وذلك بلعبة طريفة من العفاريت يصنعوها للتسلية [73].

ووصف الرواية لشخصية (فاضل) تشير إلى تطابق اسمه مع شخصيته "انظر إلى ذلك الفتى الهمام فاضل صنعان..."[74] ، فاسم الشخصية يطابق طبيعتها وسرعان ما تغدو الشخصية مفارقة لطبيعتها السمحة باختراق العفريت حياتها ومنحه طاقية الإخفاء واشتراطه عليه أن يحقق بها كل ما يرغب باستثناء ما يرضي ضميره. ويلاحظ أن أســماء الشخصيات "تعمق الدلالة بوجود عالمين متصارعين ومتناقضين ويكمل أحدهما الآخر (الواقعي والعجائبي)، وهذا النظام يتأسس وفق حركتين (الأولى) حركة تناسب وتطابق تفضي إلى مفارقة لحال الشخصية مع محيطها مولدة أجواء عجائبية كشخصية (فاضل صنعان) و(الثانية) حركة تنافر وتعارض بين اسم الشخصية وتصرفاتها وتُعزز البُعد العجائبي للشخصية " [75].

تعد وظيفة الشخصية عنصراً أساسياً في بنية الرواية، وتظهر أهمية وظيفة الشخصية من خلال ما تقدمه من أفعال، بوصف فعل الشخصية الوظيفية التي تؤديها الشخصية   [76]من ذلك حصول (فاضل صنعان) على "وسيط سحري" [77]، بحيث تقدم للشخصية خصائص وميزات عجائبية. 

وقد قدمت شخصية (فاضل) الرئيسة معاناة الشارع المصري، فقد تضمنت الكثير من الرمزية وربطها بالمجتمع المصري المعاصر آنذاك فقد "رمز محفوظ لطاقية الإخفاء بـالعمل السياسي السري فهذا العنصر الديني يستعمل طاقية الإخفاء كرمز للعمل السياسي السري" [78]، وما يعزز هذا: "بدءً من صباح اليوم التالي انطلق فاضل صنعان مثل الهواء يحل في أي مكان، ولا يُرى هيمنت عليه التجربة السحرية الجديدة " [79].

 

معروف الإسكافي

إن الشخصيات في بنية الرواية العجائبية، من واقع الحياة إلا أن سلوكها قد يشكل في لحظة ما استثناء على السلوك الواقعي المألوف كالمشي على الماء أو الطيران في الهواء، والارتفاع من على سطح الأرض  [80].

شخصية (معروف الإسكافي) مثال للشخصية المتلبسة بالفعل العجائبي بظهور القوة الخفية، أو (الخاتم السحري) وهي شخصية صراعية ذات بُعد فلسفي، تدخل في صراع دائم مع الذات، ونتيجة لحكمتها ودهائها تتمكن من الوصول لما تروم إليه، حتى يصل بها الأمر تولي مقاليد الحكم والإصلاح فيه، من خلال توظيف العجائبي.

ويظهر البُعد الاجتماعي للشخصية من خلال انتمائها لفئة معينة من الناس والمكان الذي تعيش فيه كالريف أو المدينة والطبقة الاجتماعية للتعرف على حركة الشخصية ولغتها وطموحها وسلوكها [81] ، بل وحياتها الخاصة إذ تتعرف عليه بدقة ونجد ذلك جلياً من خلال هذا النص الذي يُظهر طبيعة الحياة الخاصة ومعاناة هذه الشخصية قبل التحول "رزقه محدود وامرأته فردوس العرة، نهمة جشعة شرسة مليئة بالقوة والعنف... حياته جحيم بين الكدح والزوجية، لا يمر يوم دون أن تنهال عليه ضرباً وسباً وهو يرتعد بين يديها خوفاً وذلاً، يتمنى شجاعة يطلقها بها، يحلم بموتها يود الهرب، ولكن كيف وإلى أين... قال أنه أسيركما كان فاضل صنعان أسير الشيطان، ولعله لا خلاص له – مثله – إلا بالموت..."[82] ، تعاني شخصية (معروف) من صراعات نفسية حادة مع ذاتها بين العاطفة والواجب، أو مع واقعها الاجتماعي، مما يُحركها للقيام بأعمال بطولية بعد أن عجزت عن تحقيق طموحها وكينونتها، فتسعى لتحقيق ما تروم إليه برفضها الاستسلام وقيامها بأعمال تتسم بالقوة والعزم من جهة والحكمة والعقل [83] فنجده يدعي ادعاءات كاذبة لا أساس لها من الصحة هي حصوله على وسيط سحري.[84] 

عكست شخصية (معروف) الصراع النفسي الداخلي مع الذات ومكنونات النفس، بغية الوصول إلى حقيقة الذات، وتخليصها مما تُعانيه للوصول إلى الخلاص من ما فيها، بتوظيف عُنصر العجب، إذ تمكنت بحكمتها تحقيق الذات بادعائها امتلاك الخاتم السحري العجيب الذي يحقق كل شيء.

وقد وظف الكاتب تقنية تيار الوعي، إذ تنفعل الشخصية بما يحدث أمامها من انفعالات وأحداث لا تستطيع أن تبوح بها أو تفصح عنها، فيفصح عنها الكاتب بدل من الشخصية  [85] ، لم يملك العنصر السردي في الأصل خاتم سليمان العجيب، فقد استطاع بالوهم من قلب الموازين في حكم السلطان، إذ كان شخصية حكيمة وعاقلة في زمن اجتاح فيه الجنون الراعي والرعية، وكانت حكمته هي التي نقلته من رتق الأحذية إلى رتق الحُكم .[86] 

ويحدث الانقلاب العجائبي الثاني في شخصية (معروف) عندما يظهر له العفريت متنكراً بهيئة رجل ويتعرف على حقيقة قوته، اعتلى (معروف) الخوف والحزن بإدراكه سر القوة الخفية العفريت (سخربوط) "من أنت؟ إني سيدك وولي نعمتك.. تأوه ولاذ بالصمت فقال الآخر: بيدك أنت تحفظ النعمة إذا شئت! فسأله بصوت لا يكاد يسمع: ماذا تريد؟ فقال بهدوء: اقتل عبد الله البلخي والمجنون، فاجتاحه الرعب وقال بانكسار: إني عجزت من أن أقتل نملة! (...) استحلفك بالله أن تعفيني من مطالبك فقال الآخر سافر: ليس أسهل علي من أن أقنع الحاكم باحتيالك " [87].

قررت شخصية (معروف) الهرب واصطحاب زوجته بعد تهديد (العفريت) له سرعان ما أُلقي القبض عليه وانتشرت الفضيحة باعتراف شخصية (معروف)، خرج الفقراء والمساكين من أكواخهم بغضب واندفعوا كالطوفان حتى جاء الموكب السلطاني في قوة كبيرة ودخل السلطان (شهريار) ونادى منادٍ  [88]  بقرار السلطان الذي أفضى "بنقل الحاكم إلى رياسة حي آخر على أن يقلد ولاية الحي المعروف الإسكافي ...! تعالت الهتافات مدوية، وثمل العباد بالفوز المبين"[89] ، فانتقل معروف من رتق الأحذية إلى رتق وإصلاح الحُكم.

 

السلطان (شهريار)

تُعد حكايات (ألف ليلة وليلة) بوصفها نصاً تراثياً وقيمة أدبية زاخرة، منهلاً تغترف منه كل الآداب العالمية، وتخضع حكايات ألف ليلة وليلة لنوعين من القصص هي: "القصة الإطار، والإطار: تعني القصة الخارجية التي تنطوي بداخلها قصص أخرى، فتوحدها إذ تظهر قصة إطار كُبرى تربط بدايات القصص ونهاياتها في وحدة لا تنفصم، ولا يمكن فصمها أو إزالتها، وهذا النمط جاء كحاجة ضرورية، فرضتها طبيعة السرد القصصي، والحكي"[90] ، وهي حكاية بسيطة تمتاز بقلة الأحداث والشخصيات[91] ، وبساطة تركيبها ميزها بالقدرة على احتواء حكايات عدة؛ لأن الحكاية الخرافية تتسم بشكل عام، بوجود أجزاء رخوة في العمل القصصي، مما يسمح بتواتر أعمال قصصية ثانوية في سياقها، تتناسل باستمرار[92]  وتقوم القصة الإطار في حكايات (ألف ليلة وليلة) على فكرة الخيانة لشهرزاد عندما فاجأ الملك (شهريار) زوجته ووجدها مع عبد أسود في فراشه فقلتهما، ثم أخذ كل ليلة يستقبل عذراء في فراشه ثم يقتلها، والنوع الثاني الذي تقوم عليه حكايات (ألف ليلة وليلة) هي: "القصص المضمنة، ما تحيكه شهرزاد كل ليلة دفعاً للقتل"[93] ، وهي قصص متضمنة في القصة الإطــار "وبانتهاء القصص المضمنة نعود إلى القصة الإطار التي يكون قد مر على وقوع بدايتها زمن طويل أنسى العجب خلالها الملك قصة خيانة زوجته الأولى، وتولَّد عنه شيء جديد (الإنجاب من شهرزاد) فيكون العفو عن شهرزاد وبذلك تنتهي القصة الإطار"[94] .

يأخذ محفوظ القصة الإطار ويوظفها مراراً لحكيه فيكرر بعض عوالم القصص المضمنة التي كانت ترويها شهرزاد لتحكيها لنا كوقائع مستمرة وليس كحكايات منتهية. 

يعمد الكاتب إلى سرد الأحداث في تقديم العنصر السردي (شهريار) ثم يترك الأحداث تفصح عن الشخصيات المرافقة للشخصية المركزية (شهريار): "قادته قدماه إلى الخلاء قريباً من اللسان الأخضر فترامى إلى أُذنيه صوت غريب... أنصت تحت هلال السماء الصافية فأيقن من أنه يسمع نحيباً جماعياً! ... قوم يبكون في هذا الخلاء، مضى نحو مصدر الصوت في حذر حتى استقروا وراء نخلة "  [95]ما لبث رأى "صخرة كالقبة ورجالاً يتربعون حيالها في خط مستقيم لا يكفون عن البكاء... ثار فضوله وتناوبته الأفكار...  وإذا برجل منهم ينهض فيمضي إلى الصخرة وينهال عليها ضرباً بقبضته، ثم يرجع إلى مجلسه ويواصل البكاء مع الباكين،أحد شهريار بصره فعرف في الرجال جملة من رعاياه السابقين (...) فكر أن يقتحم مجلسهم ليكشف سرهم ولكن الحذر شده إلى موقفه [96] ، فشخصية (شهريار) شخصية مستديرة، قدمها الكاتب على نحو مقنع ومدهش وأغناها بصفات تبرز موقفها وتخدمه موضوعياً. وقد ركزت الرواية على الشخصية بأفكارها وتفاعلاتها بإضاءة مسار حياتها، فتحكمت بتغير أهوائها وميولها باختيار طريق الحق والخير، فهي شخصية متأزمة مهمتها البحث عن الخلاص، وعن معنى العدل.

ويكشف الحوار عن كوامن الشخصية العجائبية وما تعانيه من أزمات نفسيه "فوجد نفسه أما بوابة، ووجد أمامها صبية ملائكية لم يرها من قبل، سألته باسمة: -من أنت؟ فأجاب بحيرة – شهريار... -ما صناعتك؟ -هارب من ماضيه... -متى تركت بلدتك؟ -منذ ساعة على الأكثر، فما تمالكت أن ضحكت قائلة- ما أضعفك في الحساب..." [97].

يدخل (شهريار) المدينة العجيبة ويبهر بجمالها ويلتقي بملكة المدينة وتزوج بها "وتبين لشهريار أنه بحاجة إلى ألف عام لاكتشاف خبايا الحديقة وإلى ألف عام أكثر لمعرفة بهاء القصر وأجنحته ... ويوماً – وكان بصحبة الملكة – مر على باب صغير من الذهب الخالص في قفله مفتاح من الذهب المحلى بالماس"[98] ، كُتب عليه بخط كبير أسود "لا تقترب هذا الباب فسأل الملكة: -لم هذا التحذير يا حبيبتي؟ قالت بعذوبتها المألوفة: نحن نعيش ها هنا في حرية مطلقة فمجرد النصيحة يعتبر في عرفنا إهانة لا تغتفر، - أم يصدر منك كأمر ملكي؟ - فقالت بهدوء: صيغة الأمر غير مستعملة عندنا إلا في الحب..." [99].

يحمل الفصل الأخير من (الليالي) وبطله (شهريار) عنوان (البكاءون) يوحي بالندم الذي اعتلى شخصية (شهريار) وفيه إشارة موحية ورسالة إلى الحكام وأصحاب السلطات العليا أن ينتبهوا إلى زوال السلطة والهيمنة التي يتمتعون بها، فهي زائلة بسرعة الحلم، وقد صور الكاتب التمتع بالسلطة بالحلم يمضي سريعاً، فيكون مآل الحكام الندم والبُكاء تحت صخرة كان استغلالها الصحيح بين أيديهم.

ويمكن أن تكون هذه المدينة العجيبة مصير الحكام العادلين لو حققوا العدل والقضاء على الفساد. وشخصية (شهريار) عاشت بين الماضي والحاضر في حركة دائبة لا تتوقف، يتنازعها بياض النهار وظلام الليل، فهي تعيش الحقيقة والخيال معاً، وتعيش الأمس في الوقت ذاته.

لكن (شهريار) لم ينصاع لإنذار الملكة الحسناء، فدخل الباب الذهبي في غياب أصحاب الحديقة العجيبة فخرج له (مارد) قبيح الوجه وأنزله إلى الأرض .[100] 

رمز محفوظ بشخصية (شهريار) إلى أحد حُكام مصرفي المدة التي كُتبت فيها الرواية، وقد كتبت رواية (الليالي) في عام 1979 وعادة ما يبدأ محفوظ بالتحضير للرواية قبل هذا العام بعامين ويخطط لرواياته قبل أن يجلس لكتابتها بزمن طويل من كتابتها [101]  والفترة التي تمت مرحلة التفكير لكتابتها من (1975-1979) وتذكرنا هذه الفترة بنشاط الجماعات الإسلامية، وانتشار الاغتيالات الطائفية على أيدي هذه الجماعات الإسلامية، وانتشار الفوضى آنذاك في حكم أنور السادات  [102].

اغتيل السادات على أثر تطور تلك الأحداث، فكان أول مرة يُغتال حاكم سياسي لما ارتكبه من ظلم بحق شعبه، ويشير هذا إلى انعكاس شخصية السادات على شخصية (شهريار) الليالي، ولا سيما وأن هناك عدداً كبيراً من الحكام ورجال الشرطة قد قتلوا في الرواية وهذا يشير إلى سلسلة الدم والظلم وكبت الحُريات في الوقت الذي كُتبت فيها الرواية  [103].

كان سادات مصر هو شهريار الليالي الذي أشار له محفوظ، وأصبحت الليالي تعبيراً فنياً عن الواقع السياسي لمصر في الفترة (1975-1980) التي أدت لمقتل السادات أو شهريار، فقد تنبأ محفوظ بمقتله، قبل الحادثة بسنوات نتيجة لأنهار الدماء التي سالت آنذاك.

 

السندباد 

أشاد نجيب محفوظ معماراً فنياً مميزاً كانت خاتمته (السندباد) الذي جاءت صورته تتويجاً له كعقد يجمعه من أوله إلى آخره إذ أعطى محفوظ لشخصية (السندباد) دوراً رئيساً في السيطرة على السرد وفي خلق تأثير مباشر من هذا السرد على السلطان (شهرياد) الذي نراه يفضل سماع الحكايات من (سندباد) لا من (شهرزاد).

يدخلنا محفوظ إلى الواقع السياسي، عندما يدع (السندباد) يطلب من أهل الحي أن يرووا له أولاً ما حدث لهم أثناء غيابه بدلاً من أن يبدأ هو رواية حكاياته في رحلاته السبع   [104]"لدي ما يسر ويفيد وكل شيء بأوانه .. صبركم حتى استقر .. فقال عجر: نحدثك نحن عما وقع لنا ! – ماذا فعل الله بكم؟ - فأجابه حسن العطار: - مات كثيرون فشبعوا أمواتاً، وولد كثيرون لا يشبعون من الحياة. هبط من الأعالي قوم وارتفع من القعر قوم، أثرى الناس بعد جوع وتسول آخرون بعد عز، وفد على مدينتنا عدد من أخيار الجن وأشرارهم، وآخر أخبارنا ولي حكم حينا معروف الاسكافي فهتف سندباد حسبت الأعاجيب قاصرة على رحلاتي، الآن يحق لي العجب" [105] .

إن شخصية (سندباد) هي رمز التجربة الإنسانية الشاملة التي لا زمن لها.. إن شمولية شخصية السندباد كشخصية رمزية إنسانية، تأتي من أنه لا ينتسب لزمان معين، ولا لمكان معين، وليس له شخصية إقليمية محددة[106] ، ويتجلى هذا في الحوار بينه وبين (شملول الأحدب) مهرج شهريار "كم عاماً مضت في غيابك ياسندباد؟ - فقال بحيرة: - الحق إنني نسيت الزمن! فقال عجر الحلاق – كأنها عشرة قرون" [107] .

ومحفوظ عندما يصف (السندباد) وكأنه يصف إنساناً لا وطن محدداً له، ولا شخصية محددة له إنه خليط من الملامح البغدادية، والدمشقية، والمغربية، والفارسية، وهي نفسها ملامح حكايات (ألف ليلة وليلة) التي جمعت شخصيات وبلدان عدة.

 

REFERENCE
  1.  

  2. المصادر والمراجع

  3. ينظر معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: 530. ولسان العرب، مج: 7/45.

  4. ينظر المصدر نفسه: 531.

  5. موسوعة علم النفس، عبد الله عبد الدايم: 167. و من الكائن إلى الشخص، محمد عزيز الحبابي: 20-26.

  6. المصدر نفسه: 167.

  7. المصدر نفسه: 67. و علم نفس الشخصية (مجموعة مؤلفين): 11-12. و عالم الشخصية، مصطفى عبد السلام الهيتي: 11. وانشطار الذهن، بيتر ماكلير، تعريب: حلمي نجم: 207

  8. معجم مصطلحات اللغة والأدب: 208.

  9. ينظر: علم النفس وتطبيقاته التربوية والاجتماعية، عبد علي الجسماني: 231-232.

  10. فن القصة، محمد يوسف نجم: 104.

  11. ينظر: أركان القصة، فورستر: 95. و فن القصة: 104.

  12. ينظر: أركان القصة: 83.

  13. فن القصة: 103. و في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض: 89.

  14. في نظرية الرواية: 89.

  15. ينظر: المصدر نفسه: 89.

  16.  ينظر: الشخصية في القصة القصيرة، مصطفى أجماهيري، مجلة آفاق، العدد: 9 لسنة 1991: 114-115.

  17.  هوية العلامات، 188.

  18.  ينظر: الرؤية والأداة، عبد المحسن طه بدر:24. و بناء الشخصية في الرواية، أحمد عزاوي: 147.

  19.  ينظر: العجائبي في رواية الطريق إلى عدن، فيصل غازي، مجلة جامعة تكريت، العدد 2 لسنة 122-123.

  20.  هوية العلامات: 196.

  21.  ينظر: العجائبية في الرواية العربية: 14.

  22.  المصدر نفسه: 13.

  23.  هوية العلامات: 196.

  24.  سورة النمل/ من الآية 39 .

  25.  ينظر: لسان العرب: مج/4: 586 .و مفاتيح الغيب، الرازي: مج12/2: 197.

  26.  ألف ليلة وليلة دراسة سيميائية تفكيكية لحكاية حمال بغداد، عبد الملك مرتاض: 75.  الرواية: 13.

  27.  المصدر نفسه: 13.

  28.  مورفولوجيا الحكاية الخرافية، فلاديمير بروب، ترجمة: أبو بكر باقادر، أحمد عبد الرحيم نصر: 89.

  29.  ينظر: ((مورفولوجيا القصة)) وتحولات القصص العجيب، فلاديمير بروب : 102

  30.  ينظر: ألف ليلة وليلة، سهير القلماوي:144

  31.  ألف ليلة وليلة، سهير القلماوي: 144.

  32.  نظرية المنهج الشكلي، مجموعة الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب: 89.

  33.  الرواية: 38.

  34.  مقاييس اللغة: 844.

  35.  ينظر: عالم الرواية: 167-168.

  36.  الرواية: 91.

  37.  ينظر: المصدر نفسه: 242-215.

  38.  ينظر: الرواية العربية الفانتاستيكية، جميل حمداوي، 2006، المغرب، www.ahewar.orgtdebatshow.art

  39.  الرواية: 158.

  40.  المصدر نفسه: 159.

  41.  مقاييس اللغة: 76.

  42. المصدر نفسه: 173.

  43.  المجنون: شخصية عجائبية متحولة، وسيرد الحديث عنها، في هذا الفصل.

  44.  الرواية: 172.

  45.  الرواية: 59.

  46.  علم السرد، يان مانفريد، ترجمة: أماني أبو رحمة: 178.

  47.  المصدر نفسه: 81.

  48.  العجائبية في الرواية العربية: 29.

  49.  الرواية: 111.

  50.  ينظر: الرواية: 265.

  51.  ينظر: الرواية: 266.

  52.  ينظر: الرواية: 38-39.

  53.  البناء الفني لرواية الحرب: 85.

  54.  تفسير الأحلام، 112.

  55.  ينظر: مذهب للسيف ومذهب للحب: 69.

  56.  تفسير الأحلام: 112-113. و عالم الشخصية: 242-244.

  57.  ينظر: تحولات السرد: 129.

  58.  الرواية: 87.

  59.  مورفولوجيا الحكاية الخُرافية، 124.

  60.  المصدر نفسه: 133.

  61.  ينظر: تحولات السرد: 128؛ .و مذهب للسيف ومذهب للحب: 134.

  62.  سورة الفرقان: من الآية (48).

  63.  ينظر: معجم المصطلحات الأدبية: 78. و معجم المصطلحات في اللغة والأدب: 154.

  64.  ينظر: البناء الفني لرواية الحرب في العراق: 186: 77.

  65. الرواية: 89.

  66.  المصدر نفسه: 89-90.

  67.  في نظرية الرواية: 89.

  68.  ينظر: الوجيز في دراسة القصص، لين أولتبنيريد، ترجمة: عبد الجبار المطلبي: 135-136.

  69.  تفسير الأحلام: 183.

  70.  أدب الفانتازيا: 17.

  71.  الرواية: 215.

  72.  ينظر: البناء الفني لرواية الحرب في العراق: 168. 

  73.  النقد التطبيقي التحليلي: 72.

  74.  الرواية: 215.

  75.  المصدر نفسه: 44-45.

  76.  المصدر نفسه: 214.

  77.  ينظر: العجائبي في رواية الطريق إلى عدن، 192.

  78.  ينظر: مورفولوجيا الحكاية الخُرافية: 77.

  79.  المصدر نفسه: 105.

  80.  مذهب للسيف ومذهب للحب: 200.

  81.  الرواية: 217.

  82.  ينظر: العجائبي والمفاهيم الحافة، : 22.

  83.  ينظر: الرواية العربية، البناء والرؤيا، سمير روحي الفيصل: 174.

  84.  الرواية: 231.

  85.  ينظر: العجائبية في الرواية العربية: 21.

  86.  ينظر: مورفولوجيا الحكاية الخرافية: 128-105.

  87.  ينظر: معجم مصطلحات نقد الرواية، لطيف الزيتوني:66.

  88.  ينظر: مذهب للسيف ومذهب للحب: 95.

  89.  الرواية: 243.

  90.  ينظر: المصدر نفسه: 244-245.

  91.  المصدر نفسه: 245

  92.  سحر القصة والحكاية، محسن ناصر الكناني: 87، و: ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية، داؤد الشويلي: 11.

  93.  ينظر: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، محمد رياض الوتار: 44.

  94.  ينظر: السردية العربية: 97.

  95.  الرواية والتراث السردي، 64. و توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة: 45، وألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية: 11.

  96.  الرواية والتراث السردي: 64. وتوظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة: 45.

  97.  الرواية: 263.

  98.  المصدر نفسه: 263.

  99.  الرواية: 265.

  100.  الرواية: 265.

  101.  المصدر نفسه: 267.

  102.  ينظر: المصدر نفسه: 269.

  103.  ينظر: مذهب للسيف ومذهب للحب: 191.

  104.  ينظر: المصدر نفسه: 192-194.

  105.  ينظر: المصدر نفسه: 203-204.

  106.  ينظر: المصدر نفسه: 31.

  107.  الرواية: 248.

  108.  ينظر: مذهب للسيف ومذهب للحب: 96.

  109.  الرواية: 247.

Advertisement
Recommended Articles
Research Article
Pedagogic Competencies Provided To Student Teachers through Biology Teacher Education in Universities in Kenya In Light of Classroom Practice
Download PDF
Research Article
Outcome of COVID-19 in Patients with Myasthenia May Not Only Depend on the Immunologic Disease
...
Published: 31/10/2020
Download PDF
Research Article
Enhancing Research Scholarship and Publications: Creating a Positive and Productive Research Culture through Comprehensive Collaborations
Published: 30/08/2022
Download PDF
Research Article
Ovarian Pathologies in Paediatric Age Group - Our Experience and Review of Literature
...
Published: 20/05/2021
Download PDF
Chat on WhatsApp
Flowbite Logo
PO Box 101, Nakuru
Kenya.
Email: office@iarconsortium.org

Editorial Office:
J.L Bhavan, Near Radison Blu Hotel,
Jalukbari, Guwahati-India
Useful Links
Order Hard Copy
Privacy policy
Terms and Conditions
Refund Policy
Shipping Policy
Others
About Us
Team Members
Contact Us
Online Payments
Join as Editor
Join as Reviewer
Subscribe to our Newsletter
+91 60029-93949
Follow us
MOST SEARCHED KEYWORDS
Copyright © iARCON International LLP . All Rights Reserved.