Contents
Download PDF
pdf Download XML
282 Views
63 Downloads
Share this article
Research Article | Volume 5 Issue 2 (July-December, 2025) | Pages 1 - 7
The Image of the Religious Hero in the Poetry of the 8th and 9th Centuries AH: The Social Structure as A Model
1
Postgraduate Studies Department – Presidency of the University of Kufa, University of Kufa, Najaf, Iraq
Under a Creative Commons license
Open Access
Received
Sept. 8, 2025
Revised
Oct. 14, 2025
Accepted
Nov. 1, 2025
Published
Nov. 21, 2025
Abstract

The research dealt with a number of customs and traditions that in turn dominated the poetry of the eighth and ninth centuries AH, with the aim of revealing the social pattern at the time, which in turn contributed to the formation of the image of the religious hero who overwhelmed the poets of that era. The importance of the research comes in that this era was not studied according to cultural patterns and the detection of poetry’s contents, rather that most studies were technical studies, and did not touch on most poets at that time. As for the components of this study, it addressed social life and the customs and traditions, which branch into: pride, generosity, courage, and family bonds.

 

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وال بيته وصحبه المنتجبين وبعد۔ تناول البحث جملة من العادات والتقاليد التي سيطرت بدورها على شعر شعراء القرنين الثامن والتاسع الهجريين، بهدف كشف النسق الاجتماعي آنذاك، والذي ساهم بدوره في تكوين صورة البطل الديني التي طغت على شعر الشعراء في تلك الحقبة. وتأتي أهمية البحث في ان تلك الحقبة لم تتم دراستها على وفق الانساق الثقافية وكشف مضمرات الشعر، بل ان اكثر الدراسات كانت دراسات فنية، ولم تتطرق الى أكثر الشعراء في ذلك الوقت. أما مكونات هذا البحث فقد تناول الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد التي تتفرع الى: التفاخر، والكرم، والشجاعة، والروابط الاسرية۔

 

Keywords
INTRODUCTION

مدخل: الحياة الاجتماعية

لم تكن الحياة الاجتماعية في القرنين الثامن والتاسع الهجريين منفصلة عمّا قبلها من حيث سوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فهذه الأوضاع لم تستقر منذ سقوط بغداد وحتى تسلّم الدولة العثمانية السلطة ، وستتضح صورة الحياة الاجتماعية اكثر بمعرفة أبرز العادات والتقاليد التي هيمنت على تلك الفترة . فالمجتمع العراقي كأي مجتمع آخر تتحكم في سلوك أفراده فئة من العادات والتقاليد التي ساهمت في تكوين  صورة البطل الديني ، وهذه الصورة ما هي إلا نتيجة التكرار في هذه العادات، فلم يحصل انفصال  في الموروث الثقافي والاجتماعي في هذين القرنين عمّا قبلهما بل هي استمرار للعادات والتقاليد العربية التي مارسها العرب من قبل. إذن ما هي أسباب استمرار قيم البداوة في بلد ظهر فيه التحضر المدني؟ وماذا نعني بالعادات والتقاليد المتحكمة بالمجتمع؟ من المعروف أن الدولة هي المسيطر الوحيد على  كل سلوكيات أفرادها، وهي وحدها الكفيلة بقمع أفعالهم "فاذا قويت الدولة في بلد ما بحيث استطاعت أن تقمع النزاع الداخلي فيه وتضرب على أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ازدهر الإنتاج الزراعي، والتجاري والصناعي، وعمرت المدن، وانهمك الناس في حرفهم المختلفة لا يخشون شيئاً"[1] لكن إذا حصل العكس من ذلك وكانت الدولة لا تقوى على فعل شيء لأفرادها ولا تستطيع حمايتهم عندها سنجد " الناس مضطرين إلى الالتجاء إلى القيم البدوية، يشتدون في التمسك بها كلما اشتد ضعف الدولة فيهم. فنرى العصبية القبلية وعادة الثأر والدخالة والتسيار والنجدة والضيافة؛ وما أشبه، تستفحل فيهم وتكاد تسيطر على تركيبهم الاجتماعي سيطرة تامة"[2] هذا من جانب ومن جانب آخر تُلاحظ السيطرة التي فرضها الدخيل الأجنبي وهي توسع من دائرة حضورها سواء أكان حضورها اللغوي أم الثقافي ، بالإضافة إلى أن المجتمع كان " في هذا العصر مجتمعاً مفككّاً في غاية التدهور والانحطاط فكما كانت الحياة السياسية فاسدة مضطربة كانت الحياة الاجتماعية كذلك فاذا كانت السياسة مضطربة والحكم فاسداً فكيف يكون المجتمع صالحاً وحياة الناس هادئة طبيعية "[3] وفي سبيل بقاء اللغة  والثقافة العربية قائمة ولا تندثر بفعل العنصر الأجنبي سيلجأ الناس إلى إبقاء القيم والعادات العربية والبدوية. وكان السبيل الوحيد إلى إبقاء العادات والتقاليد قائمة ومنعها من الاندثار هو الالتزام بها، فحياة المجتمع" لا تستقيم إلا بالتزام نظام معين يشمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية والخلقية والروحية.. إلخ."[4] فالالتزام جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان ، فهو ملتصق بطبيعته. ونجد الدكتور محمد قطب يبرر ذلك الالتزام نفسياً في كتابه دراسات في النفس الإنسانية يقول: " في الإنسان ميل للالتزام ميل لان يلتزم بأشياء معينة وينفذها ولو وجد نفسه طليقاً من كل التزام خارجي لفرض على نفسه أموراً معينة والتزم بها.. إرضاء لما في طبيعته من ميل إلى الالتزام"[5] وبهذا وجدنا شعراء هذه الحقبة يتناولون في شعرهم معظم العادات والتقاليد - التي تولدت وتكونت نتيجة الالتزام – في شعرهم لأسباب سنعرفها عند البحث في هذه العادات والتقاليد ونعرف كذلك مساهمتها في تشكيل صورة البطل الاجتماعي۔


 

المطلب الاول: العادات والتقاليد 

عُرفت العادة في معجم مقاييس اللغة بأنها:" الدُّربة والتمادي في شيء حتى يصير له سجيّةً، ويقال للمواظب على الشيء: المُعاود، ويقال للشجاع: بطلٌ معاود، أي لا يمنعه ما رآه من شدة الحرب أن يعاودها"[6] كذلك جاءت بمعنى التكرار في المعجم الوسيط ومعجم اللغة العربية المعاصرة حيث عُرفت "العادة: كلُّ ما اعتيد حتى صار يُفعل من غير جهد . والعادة الحالة تتكرر على نهج واحد والجمع عادات"[7] وفي معجم اللغة العربية المعاصرة عرفت بأنها ": كلُّ ما ألفه الشخصُ حتى صار يفعله من غير تفكير، أو فعل يتكرر على وتيرة واحدة"[8]. أما في الاصطلاح فقد عرّفها كامل محمد عويضة بأنها " نوع من السلوك المكتسب والقدرة على أداء فعل ما بطريقة آلية نتيجة التكرار"[9] كذلك نجد إدوارد سابير يعرف العادة الاجتماعية بأنها "مصطلح يستعمل للدلالة على مجموع الأنماط السلوكية، التي تحتفظ بها الجماعة وتترسمها تقليدياً"[10] و يعرفها احمد زكي بدوي بقوله" العادات ليست إلاّ أنماطاً من السلوك الجمعي التي تنتقل من جيل إلى جيل وتستمر فترة طويلة حيث تثبت وتستقر وتصل إلى درجة اعتراف الأجيال المتعاقبة بها وفي بعض الأحيان تقوم مقام القانون في المجتمع"[11] وعرفها إبراهيم مدكور في كتابه العادات والتقاليد بأنها " السلوك المكتسب الذي يشترك فيه وتعد هذه العادات معايير ينظر إليها على أنها ذات قيمة اجتماعية  من شأنها أن تحدث رد فعل في المجتمع يتمثل في الفزع والاستهجان والاستياء والاشمئزاز الأمر الذي يبرر توقيع جزاءات على المخالف الذى يتعدى حرمها"[12] كل التعريفات السابقة لمفردة العادة الاجتماعية لا تخرج عن كونها نوعاً من أنواع سلوكات الفرد، ولم تقتصر التعريفات على حقبة تاريخية دون أخرى، فهي مطابقة لمعناها  في كل زمان ومكان وذلك بفعل حيويتها، والسؤال الذي يُطرح  ما الذي يدفع المرء لسلوك الفعل نفسه؟ وكيف تتكون العادات لدى الأفراد؟ تقول الدكتورة وسيلة عاصم إن  "العملية التي تؤدي إلى تكوين العادات الاجتماعية تنحصر في التكرار الدائم لبعض الأفعال الصغيرة التي تصدر عن عدد كبير من أفراد المجتمع في مواقف معينة بالذات، وهذا يؤدي إلى ظهور العادات الفردية وظهور العادات الجماعية في الجماعة ولا يلبث هذا السلوك أن يصبح عادة جماعية وبمرور الزمن تصبح تلك العادات أسلوباً شعبياً يتمسك به أفراد المجتمع"[13] وبما أن هذه الأساليب أخضعت الأفراد للتمسك بها_ سواء أكان التمسك بها عن قبولٍ أم رفض _إذن هي تمتلك من القوة  والتأثير ما يجعلها تفرض نفسها في كل زمان ومكان، فما وصَلَنا من عادات وتقاليد من أزمان بعيدة كان بسبب ديمومة وفاعلية هذه العادات، والا لكانت قد اندثرت في وقتها. فالعادات والتقاليد قدَّمَت من الوظائف الشيء الكثير، وهذا ما ساهم في قبولها وتقبلها من قبل أفراد المجتمع . وقد لخصت الدكتورة فوزية دياب وظائف العادات بخمس وظائف وهي: الوظيفة الاقتصادية ، والإرشادية التوجيهية، والجمالية، والتنبئية، والضبطية التنظيمية"[14]. وكل هذه الوظائف ساهمت بشكلٍ أو بآخر في استمرارية العادات والتقاليد التي أصبحت فيما بعد _كما قال احمد زكي بدوي_ بمثابة القوانين المتحكمة بالأفراد والمجتمع، وبسبب تأثيرها ستصبح أنساقاً مضمرة في شعر شعراء هذه الحقبة،  ويُفيد منها الشعراء فيما بعد في توظيفهم لها؛  من أجل المساهمة في خلق صورة اجتماعية يحتاجها عصرهم الذي أفتقر بدوره لهذه العادات، ففي طبيعة الحال أن الإنسان لا يخرج عن طرق تفكير مجتمعه فكما يقول علي الوردي:  إن الإنسان هو " صنيعة ظروفه وعوامله النفسية والاجتماعية"[15] لذا فهو يتأثر ويؤثر بمن حوله كذلك، وسبيل الشاعر لكي يكون مؤثراً في مجتمعه هو توظيفه للعادات والتقاليد التي تساهم في ضبط المجتمعات الإنسانية،  وهي تتعدد بحسب الحاجة إليها فمنها ما كان عادات عقلية ، ومنها ما كان عادات جسدية يمارسها الفرد للوظيفة التي تقدمها إليه وينتفع بها. بقي معرفة توضيح الفرق بين العادات والتقاليد والأعراف والقيم لكي لا يكون هنالك خلط فيما بينها، فهذه المصطلحات متداخلة، وكثيرا ما ترد في سياق واحد متلاصقة مع بعضها، وقد سبق وعُرِفتْ العادات بانها سلوك اجتماعي، وبما أنها سلوك اجتماعي فهذا يقتضي التداخل مع مفهوم التقاليد والأعراف من ناحية أنها جميعها يطلق عليها سلوك اجتماعي للأفراد، وجميعها يَصُح أن يطلق عليها أنظمة تَحكّمْ في المجتمعات الإنسانية لكن تكمن الفروقات في تكوين كل منها فتعرّف التقاليد لغة بأنها " العادات المتوارثة التي يقلُّدِ فيها الخلفُ السلفَ ، مفردها تقليد"[16] وعرّفها صاحب معجم الغني "تقاليد: جمع تقليد .} ق ل د{ : شعبٌ يحافظ على تقاليده : عوائِدِهِ، أساليب عيشِه وسُلوكِهِ ومظاهِرِهِ العامة"[17] وفي التعبير السوسيولوجي للتقاليد  نجد أنها تعني " البنية التحتية للظواهر الاجتماعية، التي ترتسم على صفحة البنية الفوقية في أي مجتمع، ومن أبرز هذه الظواهر العادات، التي تكون في كثير من مناحيها تجليات للتقاليد"[18] .جميع التعريفات السابقة التي تطرقت لمعنى التقاليد توضح تداخل هذا المصطلح مع مفهوم كل من العادات والأعراف؛ فجميعها تشترك في عمل واحد وهو توجيه سلوك الفرد وتقويمه والتأثير عليه وهذا ما يجعلها قابلة للتداخل، ويصعب الفصل بينها، لكن بمجرد معرفة ماهية القيم والأعراف سيكون بالمقدور إزاحة ولو القليل من التداخل الحاصل بينها فالقيمة " هي الاعتقاد أن شيئاً ما ذا قدرة على إشباع رغبة إنسانية وهي صفة الشيء التي تجعله ذا أهمية لفرد أو لجماعة والقيمة على وجه التحديد حقيقة سيكولوجية، وليست قابلة للقياس باي وسيلة من وسائل القياس التي توصل إليها العلماء ولا بد من تمييز القيمة تمييزاً دقيقاً عن المنفعة، لأن حقيقتها تكمن في العقل البشري لا في الشيء الخارجي نفسه والقيمة بالتحديد مسالة اعتقاد فالشيء ذو المنفعة الزائفة تكون له القيمة نفسها كما لو كان حقيقياً إلى أن يكتشف هذا الخداع"[19]. والوظيفة التي تقدمها القيم هي تفسير العادات الاجتماعية، وتوضيحها للأفراد وكما تقول الدكتورة فوزية دياب: إن القيم " هي التي تدفع على تمسك الناس بالعادات الاجتماعية كما تضفي عليها معنى وتفسرها وتبين الفكرة التي وراءها والحكم الاعتقادي الدافع إلى التمسك بها"[20] كذلك نجد أن أهميتها لا تقتصر على التفسير والتوضيح فقط، بل تقوم على تنظيم المجتمع من خلال توجيه سلوك أفراده فهي بمثابة الضبط الاجتماعي الذي يوجه كل مجتمع،  إذ يرى كارل منهايم في كتابه علم الاجتماع النظري "إن القيم لا تتجسد طبيعتها في الشيء أو النشاط الذي تعبر عنه، بل تتجسد أهميتها بالوظائف الاجتماعية التي تؤديها للمجتمع، وبالمركز الذي تلعبه في تنظيم وتطوير الحياة الاجتماعية"[21].أما فيما يخص الأعراف وماهيتها فالمقصود بها أنها " نوع من العادات التقليدية يشبه التقاليد من ناحية انه تقليدي وعريق ومتوارث وملزم، ألاّ انه يختلف عنها في درجة إلزامه وانتشاره وشموله وعموميته فالتقاليد عادات تهم جماعة أو فئة أو طبقة فهي عادات ضيقة النطاق نسبياً، أما العرف فهو يهدف إلى حفظ كيانات الجماعات كلها متمثلاً في وحدة واحدة هي وحدة المجتمع"[22] كذلك نجد أن العرف يصبح فرعاً من فروع العادات الاجتماعية بحسب تقسيم الدكتورة فوزية دياب لها فتقول إن من فروع العادات الاجتماعية : " العرف، والسنن، والمحرمات، والتقاليد، والشعائر، والطقوس، والمراسم، والموضات، والبدع، والنزوات أو التقاليع"[23] ومن هذا التقسيم يتضح أن الشجرة الأكبر متمثلة بالعادات وما تحمل من فروع أصغر تشمل الأعراف والتقاليد وغيرها، ستشكل مظهراً من مظاهر السلوك الجمعي للأفراد، ومن عند هذه السلوكات سيخلق الشعراء صورة للبطل الاجتماعي والديني. 

ومن أبرز القضايا والمسائل الاجتماعية: النسب، والمكان،  والزمان،  والعادات ، والتقاليد والروابط ، والمنظومة القيمية، ومنها ما كان يدخل ضمن حيز الأسرة والمجتمع التي تناولها شعراء القرنين الثامن والتاسع الهجريين:

 

العادات والتقاليد

اولا: التفاخر: يعد التفاخر من العادات الاجتماعية المعروفة عند العرب ، ولا نجد أدب أمة يخلو من الفخر والتفاخر، ويقصد به " التمدُّح بالخصال، وكذلك افتخرَ وتفاخرَ القوم فَخَرَ بعضهم على بعض والتفاخر التعاظم"[24] وكان التفاخر بنبي الأمة الإسلامية محمد ﷺفقد شرّف منازل قريش يقول ابن الوردي[25]:

 

بأفضل الخلقِ من بدوٍ ومن حضرِ

 

على اعتبار أن النبي يمثل مصدر الفخر في أمته وبذلك سيعكس الصورة الاجتماعية المثالية للعصر، فقد ورد عنه ﷺ انه قال: "أنا سيِّدُ البشر ولا فخر، وأنا أفصح العرب، وأنا أوَّلُ من يقرعُ باب الجنة، وأنا أوَّلُ من ينشقُّ عنه التراب؛ دعا لي إبراهيم، وبشّرَ بي عيسى، ورأت أمِّي حين وضعتني نوراً أضاء لها ما بين المشرق والمغرب"[26] يقول ابن الوردي :[27]

 

إذ تعرفُ العربُ زجر الشاءِ والعكرِ

 

ألاُفها وألوفُ اللامِ والبدرِ

 

نالتْ مطالبُها من صحبِكَ الصُّبُرِ

 

بعد المماتِ جمالُ الكتب والسِّيرِ

 

لا يحضرون وفقد العزِّ في الحضرِ

 

عند التفاخر بين العرب كالغدرِ

 

عند التفاخر بين العرب كالغدرِ

 

كوقفةِ العيْرِ بينَ الوردِ والصدَرِ

 

يفخر الشاعر في نبينا محمد ﷺ سيما إن النبي وآله لا يتباهون أو يزدهون بأنفسهم وحق لهم ان يتباهوا بنسبهم الرفيع إلا ان التواضع هو السائد في حياتهم فلم يصل عنهم سوى السيرة الحسنة المليئة بالبطولات والتضحيات  فالنبي محاط من جميع الجهات بالبيوت الشريفة ابتداء من قبيلة  مرضعته بني سعد وأخواله بني زهرة وانتهاء بأعمامه فكل هذه البيوت هي مدعاة للفخر ولها مكانتها بين العرب ، والنبي محمد ﷺ في نشأته لم يكن منفصلا عن هذه البيوتات،  لذا نجد ان جميع الصفات والقيم البدوية مغروسة فيه وبمجيء الإسلام هُذبت هذه القيم أكثر وأصبحت تتناسب مع مبادئ الإسلام،  لكن من اهم القيم التي بقيت ثابتة ولم تتغير هي الكرم فقد عرف عن العرب انهم يتسابقون في إكرام الضيف حتى وان اضطروا إلى فقد كل ما لديهم فبخلاف ذلك ستعتبر مقصرة .وهذا التنافس بين البيوت جلب معه النفرة والخلاف فكانت " النفرة بين بيت هاشم وبيت عبد شمس، فقد كان ذلك بعض أسباب الخلاف بين البيتين اللذين ينتسبان إلى لب واحد وهو عبد مناف وكانت المنافسة بينهما وكان بيت هاشم له الشرف، وله الرياسة، وقد حرم أولاد عبد شمس من هذا، فكانوا يحقدون عليهم في الجاهلية، وبدأ الحقد في الإسلام "[28] بسبب الشرف الرفيع الذي تمتع به بيت هاشم جعل لهم خصوما في كل مكان . ويكون تركيز الشعراء على التفاخر بنسب النبي محمد ﷺ فقط بل تفاخروا كذلك بأبن عمه علي بن أبي طالب وأهل بيته يقول الخليعي[29]:

 

فبحمله النَّسَبَ الصَّريـــحَ صَفا وَصحَّ وَهُذِّبا

 

فبقوله ( صفا وصحَّ وهُذِّبا) فهي تشير إلى نسبه العربي الواضح والمعروف لدى الجميع، فهو أبن عم النبي محمد وصهره وخليفته، وهذا يدلل على ان الشاعر يظهر صورة البطل المثالية الصافية صورة لا تشوبها شائبة فهم الأسياد والأشراف وحتى الأعداء لهم يقرون بهذا النسب الرفيع فقد " قيل لمعاوية: أخبرنا عنكم وعن بني هاشم. قال: بنو هاشم أشرف واحداً، ونحن أشرف عدداً، فما كان إلا كَلاَ ولا، حتى جاءوا بواحدة بذّت الأولين والآخرين. يريد النبي ﷺ وبقوله: أشرف واحداً: عبد المطلب بن هاشم"[30]. ونرى صفي الدين الحلي يركز على شيء آخر عند العرب فيقول[31]:

 

 

لِأنِّي رأيتُ العُرْبَ تَخَفرُ بالعصا             وتحمي إذا ما أَمَّها مُستَجيرُها

فكيف بمن في كفِّهِ أورقَ العصا             تُضامُ بيَ الآمالُ وهو خَفيرُها

 

عُرف عن العرب أنها تحمي نزيلها ومن يستجيرها،  فهي تؤمنه وتحفظه وتدافع عنه لذا يفخر الشاعر بعروبة النبي محمد ﷺ، ولكونه عربيا وينتمي إلى الثقافة العربية التي أنتجت هذا السلوك الاجتماعي فانه سيخلق بذلك صورة متكاملة سترغب بها الأجيال اللاحقة . 

 

فضل بني هاشم وبني أمية " قيل لعلي بن أبي طالب: أخبرنا عنكم وعن بني أمية. فقال: بنو أمية أغدرُ وأمكر وأفجر، ونحن أصبحُ وأفصح وأسمح"[32]. 

 

 المطلب الثاني: المنظومة القيمية

اولا: الشجاعة: من المعروف أن الإنسان بصورة عامة والإنسان العربي بصورة خاصة فيه ميول لإبراز وإظهار شجاعته ، وهذه الميول متعددة فمنها ما يتوجه نحو ممارسة فعل القتال لغرض الحماية كحماية النفس أو حماية الآخرين، أو هناك من يميل إلى المقاتلة والعدوان؛ لإظهار شجاعته وإثباتها وهذه الميول تعتبر" من الدوافع الاجتماعية المكتسبة"[33]، بمعنى أن الإنسان اكتسب هذه الميول من المحيط الكائن فيه ، وبالتالي ستترسخ وتنتقل إلى الأجيال اللاحقة كأي ممارسة اجتماعية طبيعية. وبما أن الشجاعة اتخذت حيزاً كبيراً من حياة العرب وجدنا أن النفس قد أصبحت لديهم رخيصة كذلك نجد أن " العرب تستهين بنفسها في سبيل الدفاع عن الشرف وصيانة العرض، فازدروا الموت واستهجنوا البكاء، وانفوا أن يموت الرجل حتف انفه لان الميتة الكريمة هي التي يموت فيها الرجل في ساحات الوغى طعنا بأطراف الرماح وموتا تحت ظلال السيوف"[34] فيقول الشاعر ابن داغر الحلي[35]:

 

لهفي له يحمي الحريم بسيفه   من فارس يسطو هناك وراجل

 

لا يكفي أن يكون البطل ذا شجاعة حتى يصح أن يطلق عليه بطلاً،  بل لا بد أن يكون فيه من النبل ما يجعله يستحق ان يلقب بلقب الشجاع وهذا يتفق مع ما قاله محمد قطب في ان " البطل ليس شجاعاً فحسب، ولكنه كذلك ((نبيل)) لا يستخدم شجاعته في سفك الدماء والسرقة والنهب.. ولكن في إغاثة الملهوف وإعانة الضعيف ودفع الظلم عن المظلوم؛ وكلها قيم إنسانية"[36] اتّسم بها الإنسان العربي والبطل الديني والاجتماعي على وجه الخصوص،  كونه يحمل هذه القيم وينقلها للأجيال اللاحقة يقول  علاء الدين الشفهيني إظهارا لقيم الشجاعة والنبل[37]: 

 

يرى الموت لا يخشاه والنبل واقع           ولا يختشي وقع النبال نبيلُ

 

صؤول إذا كرَّ الكميُّ مناجز                   بليغ إذا فاه البليغ قؤولُ

 

له من عليّ في الخطوب شجاعة             ومن أحمد عند الخطابة قيلُ

 

إذا شمخت في ذروة المجد هاشم             فعمّاه منها جعفر وعقيلُ

 

كفاه علوّاً في البرية أنّه              لأحمد والطهر البتول سليلُ

 

فما كلُّ جدّ في الرجال محمدٌ                  ولا كلُّ أُم في النساء بتولُ

 

يبرّز الشاعر جانب الشجاعة ويصور كل ملامح البطولة، كذلك في النص إشارات إلى التسلسل التاريخي للشجاعة لدى العائلة الواحدة _ونعني بها ذرية بني هاشم_  باعتبارها من العادات والقيم التي ركزت عليها الأسرة العربية بصورة عامة وأسرة آل البيت بصورة خاصة ، فالشجاعة قيمة متجذرة فيهم، وهي مدعاة للفخر وهنا يبرز النسق الاجتماعي اكثر لدى الشاعر عند قوله: فما كلُّ جدّ في الرجال محمدٌ ، دلالة على افتقاده وافتقاره للقيم والعادات الاجتماعية في زمنه فوجدناه يلجأ لتوظيف هذه العادات والتقاليد. كذلك في قوله: له من عليّ في الخطوب شجاعة دلالة على النشأة البدوية التي نشأها الإمام علي،  فهو قد تربى في البادية وعرب البادية لا تخشى الموت بل على العكس من ذلك،  فهو يشكل تقليدا لديهم وكما قلنا سابقا إن العرب تمجد الذين يسقطون في الحروب ولا يموتون على فراشهم،  فهذا يدلل على شجاعتهم وتفتخر العرب بهم كذلك الإمام الحسين عليه السلام في قتاله الأعداء كان كوالده الإمام علي عليه السلام في شجاعته وقوته، لا يخشى وقع النبال،  وهذا كله إن دلّ فهو يدل على السلوك المتوارث لدى العائلة. فهذه القيم تبث في الرجال منذ الصغر وتصبح جزءا من حياتهم فهم تربوا عليها وربّوا الأجيال اللاحقة لهم وهذه العادة تساهم بشكل أو بآخر في تنظيم وضبط المجتمعات الإنسانية . يقول علاء الدين الشفهيني[38]: 

 

من كان أوردَهـا الحُتُوف سوى              أبي           حـسنٍ وَقَــامَ بها المقامُ المهولا؟

 

وأبــادَ مرحــبـهــم ومـــدّ يـمـينه              قلع الرتاج وحصن خيبر زلزلا 

 

يكشف النص دلالة الشجاعة النسقية بقوله: أوردها الحتوف ، وأباد مرحبهم  فهو يريد بها غزوة خيبر التي هزم بها الإمام علي أحدى الشخصيات اليهودية التي تعتبر من أشجع الفرسان والذي يدعونه (مرحب)  كذلك في  قوله: ( أبي حسن) دلالة نسقية على ما يحمله هذا الاسم من قيم   البطولة والشجاعة والإباء ، وتمييز له عن سائر الشخصيات التي كانت تحمل شيئا من القيم العربية،  وباعتباره نموذجا يحتذى به ، فالنص يحمل معاني الشجاعة التي يراد بها حماية النفس والدفاع عن النساء والضعفاء، وفي قوله:  (قلع الرتاج ، وحصن خيبر زلزلا) تتضمن دلالات نسقية على قوة البطل وشجاعته،  فالمعروف عن حادثة حصن خيبر إن كبار قادة الحروب لم تستطع فتح هذا الباب، والوحيد الذي أستطاع فتحه هو الإمام علي الذي كان إلى جانب قوته البالغة، " شجاعاً لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة، فكان لجرأته على الموت لا يهاب قرناً من الأقران بالغاً ما بلغ من الصولة ورهبة الصيت، واجترأ وهو فتى ناشئ على عمرو بن ود فارس الجزيرة العربية الذي كان يقوم بألف رجل عند أصحابه وعند أعدائه"[39] فهو الفارس الذي لم يقف في وجهه أحد والموت لديه ولدى أبناءه  كالشهد يقول الشاعر رجب البرسي[40]:

 

يرونَ المنايا نيلَهُم غايةَ المنى                إذا شهدوا مُرُّ الردى عندهم شهدُ

 

في البيت  دلالة على استهانة البطل  بالموت، فالحسين وأصحابه لا يخشون الموت بل كان عندهم مثل الشهد فهم اعتادوا أجواء الحرب والفارس وحده من يشعر بهذه  اللذة أي لذة النصر فتحقيق هدف النصر كفيل بجعله ينسى ما مرّ به في الحروب،  فأراد الشاعر جعل هذه العادات جزءا من صورة البطل الاجتماعي الذي لربما انتفى وجودها في عصره، فقد تغيرت العادات التي كانت  تربط المجتمع وحلت محلها عادات جديدة ساهمت في حل المجتمع بدخول العنصر الأجنبي لذا أصبحت المجتمعات تفتقر لهذه القيم. يقول الشاعر الحسن بن راشد الحلي عند تطرقه لقيمة الشجاعة[41]: 

 

كأن صولته فيهم اذا حملوا                    عليه صولة ضرغام على هملِ

 

فلا ترى غير مقتول ومنهزم                  من فوق سابقة مكلومة الكفلِ

 

هذا النص أيضاً يركز على الصلابة التي يتمتع بها البطل فهو قد يشتت الكثير من شجعان المعارك،  فلا يبقى في ساحة المعركة سوى القتلى وقد سار آل البيت مثلما سار النبي محمدﷺ في الحروب والغزو فقد  "روي عن أسامة بن زيد الَّليثي قال: كان النبي ﷺ إذا غزا أخذ طريقاً وهو يريد أخرى، ويقول: الحرب خدعة"[42] فهذا مبدأ من مبادئ النبي محمد  ركز عليها الإسلام ولان آل النبي هم أول من تمسك بهذه القيم وتوارثوها أصبحت متجذرة فيهم ، فلم يكن الغرض من القتال هو الدوافع الشخصية الذاتية الفردية،  وإنما الدفاع عن النفس.

 

ثانيا: الكرم

تعتبر هذه القيمة من المتلازمات لقيمة الشجاعة ، وليس بالضرورة أن يكون الكرم في الأشياء المادية بل الجود بالنفس التي لا يوجد أغلى منها في الدنيا، فالذي تهون عليه نفسه في الحرب كيف لا تهون عليه الأشياء المادية، فالكرم كما ورد في لسان العرب " نَقِيضُ اللُّؤمِ، ومنها الكَريمُ: الجَامعُ لأنواعِ الخَيرِ والشَّرَفِ والفَضائلِ"[43]. يقول الشاعر الخليعي[44]:

 

وبجودهِ أمسى بنا                 ءُ المكرُماتِ مُطِّنبا

 

الكرم والجود من السمات والعادات التي عُرفت بها العرب قديماً وحديثاً،  والبيت الشعري يصف كيف أن البطل يُكثر في كرمه وجوده إلى حد المبالغة والإطناب في هذا الكرم، والتمعن في هذه القيمة بالتحديد يؤدي إلى مسالة مهمة وهي التعايش الاجتماعي وتقبل الآخر من خلال ما يبذله من عناء في سبيل الضيافة،  فالضيافة لا تقتصر على الأغنياء فقط ، بل تجد الكثير من الفقراء يتسمون بسمة الكرم والجود، وتلاحظ البعض يصل إلى حد المبالغة في هذا الكرم حتى ولو كان ذلك على حساب التضييق والتقتير على عياله. فمثل هذه العادات العربية لها دور في تنظيم المجتمعات وتعزيز الوحدة الاجتماعية وعدم تشتيتها أو تفريقها على اعتبار إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع معنوي  " أي أن العلاقات الاجتماعية فيه تبنى على الروابط الأدبية من تواد وتراحم لا على أساس من العلاقات المادية فقط"[45] يقول الشاعر رجب البرسي[46]:

 

جادوا بأنفسِهم من دونه كرماً                 حتَّى جرى القدَرُ المحتومُ بالقلمِ

 

باعوا نفوسَهُمُ للحتف حين شروا             نفسَ الحسين فنالوا أربح القِسَمِ

 

فلم يكن هدف الذين قاتلوا مع الحسين هو المال أو السلطة؛ بل كان قتالهم معه من أجل الحفاظ على روحه ونفسه الطاهرة،  فالجود بالنفس من أجل الآخر الذي يحمل رسالة التضحية كان من اسمى الأهداف التي ركّز عليها المجتمع الإسلامي  والدلالة النسقية التي يحملها اسم الحسين هي دلالة التغيير والإصلاح والثورة والتضحية من أجل الآخر الذي يعيش في نفس المجتمع بغض النظر عن دينه وطائفته ، يكفي أن يكون أنسانا وتربطه علاقات اجتماعية مع الأفراد الآخرين سيصبح جزءا من أفراد المجتمع وينبغي حمايته، وكما يقول محمد أبو زهرة: إن المجتمع  المعنوي" يقوم على أساس من العلاقات الروحية الرابطة بين أجزائه، وهو متماسك غير قابل لأن تتداعى لبناته، لأنه مترابط الأجزاء بما لا يقبل الانقطاع ما دام يغذى بالروح وبالدين"[47] فوجود مثل هكذا قيم في المجتمعات تقوي الأواصر يقول رجب البرسي[48]:

 

أيادي عطاهم لا تطاوَلُ في الندى            وأيدي علاهم لا يُطاقُ لها ردُّ

 

مطاعيمُ للعافي مطاعينُ في الوغى           مُطاعُون إن قالوا لهم حججٌ لدُّ

 

كرامٌ إذا عافٍ عفى منه معهدٌ                 وصوَّحَ من غَضْرائِهِ السَّبْطُ والجعدُ

 

وآملُهم راجٍ وأمَّ لهم رجا                       وحلَّ بناديهم أحلَّ له الرفدُ

 

ربط الشاعر هنا قيمتين من القيم العربية وهي الشجاعة في قوله:  مطاعين في الوغى، والكرم في قوله:  مطاعيمُ للعافي أي الضيف وهذا يدلل على التماس الشاعر لهذه العادات التي كانت جزءا من سلوك أهل البيت في إكرام الضيف،  ولا نعني به أي إكرام؛ بل هو إكرام عن طيب نفس،  فأحدى معاني الكرم:  " الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه –وسموه أيضاً حُرِّية- وهو ضد النَّذالة"[49] كذلك عُرِف عن العرب ان الكرم "سجية متأصلة في نفوسهم، ولم يكن كرمهم خاصاً ضيق الحدود، بل كانوا يكرمون الغريب والبعيد، من يعرفونه ومن لا يعرفونه"[50] وكيف لا يكونون كذلك وهم من ذرية ونسل النبي الذي "شبّ والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلاً افضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلُقاً، وأكرمهم حَسًباً، وأحسنهم جواراً وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزّهاً وتكرُّماً، حتى ما اسمه في قومه إلاَّ الأمين، لِما جمع الله فيه من الأمور الصالحة"[51] كذلك فالمعروف عن النبي محمد ﷺ انه " ما سئل شيئاً فقال لا"[52] لذا نرى إن جميع أفراد أسرته نهجوا النهج  نفسه الذي  نهجه النبي محمد ﷺ في حياته بما في ذلك سلوكياتهم ومواقفهم الاجتماعية،  فكأنها سلسلة من العادات تسري عبر الأجيال، هدفها الحفاظ على المجتمع. يقول رجب البرسي[53]: 

 

وإن بادروا فالدهرُ يخفقُ قلبُهُ                 لسطوتهم والأسدُ في الغاب تجزعُ

 

وإن ذُكَرالمعروفُ والجودُ في الورى         فبحرُ نداهم زاخرٌ يتدفَّعُ

 

وهذا نص آخر يجتمع فيه كل من مفهومي الشجاعة والكرم،  ويوضح بطولة وأنَفَة أهل البيت من خلال الدلالة التي يحملها قوله : فالدهرُ يخفقُ قلبُهُ لسطوتهم وكذلك قوله: الأسدُ في الغاب تجزعُ  فهو كغيره من الشعراء الذين صوروا ملامح الشجاعة والفروسية التي امتاز بها أهل البيت ورسموا بها البطل المثالي لكل عصر.

 

المطلب الثالث: الروابط الأسرية

الوصية

تعددت معاني الوصية فمنها" العهد ومنها الفَرض ومنها الوَصل فيقال: أوصى الرجل ووصَّاه: عَهِدَ إليه، وأوصيتُ له بشيء وأوصيتُ إليه: إذا جعلته وَصّيك وأوصيته ووصّيته بمعنى، وتواصي القومُ: أي أوصى بعضهم بعضاً وفي الحديث: استوصُوا بالنساء خيراً فإنَّهن عندكم عَوانٍ، والاسم الوَصاة ، والوَصاية، والوصِاية والوصيُّ: الذي يوصُي والذي يُوصى له، وهو من الأضداد والوصَّيةُ: ما أوصيتَ به، وسميت وصيةً لاتصالها بأمر الميت ويوصيكم الله: أي يفرضُ عليكم" [54] ومن خلال معرفة المعنى اللغوي للوصية أتضح أنها لا تخرج عن معانٍ ثلاث هي: العهد ، والفرض، والوصل ، والمعنى القريب لدراستنا هو العهد والوصل بمعنى أن يعهد الوصي إلى الموصي له بشيء . وقد عَرّفتْ الدكتورة سهام عبد الوهاب الوصية بانها" الثمرة الفكرية التي يكتبها الفرد من تجاربه في حياته اليومية، ومن تفاعل هذه التجارب مع بيئته ومجتمعه وهي كالحكمة، ولعلها تتكون من الحكم والأمثال"[55] والسؤال هنا من أين جاءت الأهمية التي تتمتع بها الوصية ؟ وما هو الدور الذي ساهمت به لضبط المجتمعات ؟ تأتي أهميتها من كونها تعد" لوناً من ألوان النقد الاجتماعي التي يسعى من خلالها الموصي إلى إبعاد المجتمع عن حياة الرذيلة إلى حياة الفضيلة وإعطاء صورة للنموذج الإنساني لما تحمله من قيم ومبادئ أخلاقية سامية ودلالات نفسية وفكرية"[56] وبما أنها تحمل معها القيم والمبادئ  التي من شأنها أن تحافظ على الأنظمة والقوانين ، وإيصالها إلى الأجيال اللاحقة  فمن هنا نرى مساهمتها في ضبط المجتمعات الإنسانية .  وهناك نوعان من الوصية قام بتحديدهما وتلخيصهما أسامة بن منقذ حيث يقول: " الوصية وصيتان، وصية الأحياء للأحياء، وهي أدب، وامر بمعروف ونهي عن منكر، وتحذير من زلل، وتبصرة بصالح عمل، ووصية الأموات للأحياء، عند الموت، بحقٍ يجب عليهم أداؤه ودين يجب عليهم قضاؤه"[57] وكلا النوعين من الوصايا سنجد الشعراء قد قاموا بتوظيفهما في الشعر حيث يقول الشاعر رجب البرسي[58]: 

 

 

وعاد إلى أطفاله وعياله

يقول: عليكن السلام مودّعاً

ألا فاسمعي يا أخت إن مسّني الردى

وإن برحت فيك الخطوب بمصرعي

فإرضَي بما يرضى إلهك واصبري

وأوصيك بالسجاد خيراً فإنّه

 

وغرب المنايا لا يفل لها حد

فها قد تناهى العمر واقترب الوعد

فلا تلطمي وجهاً ولا يُخمش الخد

وجلّ لديك الحزن والثكل والفقد

فما ضاع أجر الصابرين ولا الوعد

إمام الهدى بعدي له الأمر والعهد 

 

يكشف النص أحدى العادات الاجتماعية التي تمارسها النساء أثناء توديعها لأحد أفراد أسرتها والحالة التي تكون عليها كلطمها الوجه والخدود،  ويكون الأخ (الحسين) هو الذي يقوم بتوديع بناته وأطفاله ويحرص على بث الوصية لهنّ،  من خلال نهيه لعادة  لطمِ الوجه والخدود وهي عادة تُمارس من قبل النساء عند فقدهن لإخوانهن أو أزواجهن أو أيٌّ من أقاربهن،  لكن هذه العادة نُهيَ عنها عند مجيء الإسلام والإمام الحسين أوصى نسائه بتركها لعلمه بقول النبي محمد ﷺ إذ قال " ليس مَّنا من لطَمَ الخُدودَ وشقَّ الجيوبَ ودعا بدَعوَى الجاهلية"[59] وهذا نوع من الوصايا وهي وصية الأحياء للأحياء كما يقول أسامة بن منقذ عند تقسيمه للوصية وتناول أيضا هذا النوع من الوصايا الشاعر الخليعي إذ يقول[60]:

 

فاسمعي ما أقولُ يا خيرةَ النِّســ

لا تشُقّي جيباً ولا تلطمي

واخلفيني على بناتي وأُوصيــ

 

ـــــــوان فيما أُوصي به وَاحفظيني

خداً وان عزَّك العزا فاندبيني

كِ بزينِ العبادِ فهوَ أميني

 

وصية الأخ لأخته من القضايا الأسرية الموجودة في المجتمع،  فالإنسان عندما تحين نهايته وموته يبدأ إما بكتابة وصية أو يوصي من حوله مباشرة بها فنلاحظ البطل(الحسين) هنا يوصي أخته بعياله فيقول لها: اخلفيني على بناتي حيث لم يتبقَ غيرها ليوصيه بهنّ فهي الوحيدة التي تبقت لحمايتهن، كذلك يوصيها بولده زين العابدين الذي كان صغيرا آنذاك، وهذه الوصية حملت في داخلها دوافعاً أسرية واجتماعية لأن فيها استمراراً وحثاً على البقاء إذ أن "الوصية تعبير عن الرغبة والمخيال الإنساني للاستمرار في هذه الحياة أو استمرار المنهج الذي قاد به الوصي سفينة عائلته على نفس المنوال والفكرة لتقاد العائلة ويدبر شأنها الاجتماعي بنفس ما كان يسير عليه ويرغب به المتوفي قبل وفاته " [61] كذلك ومن العادات والتقاليد التي شكلت بدورها انساقاً اجتماعية هي الروابط الأسرية ونعني بها تعاضد وتكاتف الأسرة في محاولة لمواجهة مصاعب الحياة فعلى لسان السيدة زينب يقول الشاعر الحسن بن راشد [62]:

 

أخي أخي من يردُّ الضيم عن حرم الــ

أخي بمن اتقي كيد العدى وعلى

 

ـــهادي النبي فقد أمست بغير ولي

من اعتمادي وتعويلي ومتكلي

 

دلالة الأخ التي تكررت في النص ترمز إلى المعيل والمعتمد لدى عائلته، فبمجرد موت الأب سيتحتم على الأبن تولي كل مسؤوليات العائلة، وهذا جزء من عادات الُأسر العربية ، فالأبن الذكر هو الذي يتسلم زمام الأمور، ويصبح ولي العائلة وبفقدان هذا الولي تصبح العائلة  بلا معيل ومعتمد وبلا ولي ، فهو بمثابة درع لمن يمشي وراءه وتقع على عاتقه مسؤولية الدفاع عن هذا الرابط والمؤسسة الأسرية ، فصورة الأخ في هذا النص تكشف وراءها النسق الاجتماعي الذي تَمثّلَ في السلوك التلقائي للبطل ( الأخ) فقد عكست كلمة (اعتمادي وتعويلي ومتكلي) روابط الأخوّة القوية والتي تجعل الأسرة باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأصغر في المجتمع متآزرة ومتكاتفة أمام العقبات ، وتناول شعراء أخرون هذا المعنى من  الروابط أيضاً يقول رجب البرسي[63]:

 

لهفي لزينب وهي تندب ندبها

تدعو: أخي يا واحدي ومؤملي

من لليتامى راحم؟ من للأيامى

 

في ندبها والدمع سار سارح

من لي إذا ما ناب دهر كالح

كافل؟ من للجفاة مفاصح؟

 

يبث النص في ظاهره كل مشاعر الحزن والشكوى والتساؤل عن أحوال اليتامى بعد موت الكافل ( الحسين) ، لكن ما وراء ذلك قضية أعمق ككفالة اليتيم والتزامه، فالاعتناء باليتيم فيه جنبة إنسانية واجتماعية ودينية؛ لأن إدخال اليتيم في حيز المجتمع سيخلق منه إنساناً ناجحاً في حياته ويحفظه من الضياع والتيه في الحياة الصعبة، وبذلك ستربطه بالمجتمع أواصر قوية بدلاً من أن يكون نافراً من المجتمع كارها له،  فاذا أصبح كارها للمجتمع سيخلق بدوره انحلالاً في أنظمة وأواصر المجتمعات فالفرد الذي يفقد إحساسه بمجتمعه  و" لا يحس بأنه تربطه بهم جامعة مودة ورحمة، فينظر إليهم نظر الخائف الحذر، أو نظر العدو المتربص، وكلاهما لا يجعل فيه قوة عاملة" [64]لذا نجد أن " اكثر الذين يرتكبون جرائم في المجتمع من الذين يحسون بالنفرة منهم، لانهم منبوذون لم يذوقوا الرحمة من غيرهم، فنظروا إلى المجتمع نظرة عداوة لا مودة فيها"[65] بسبب فقدان المعيل أو الداعم سواء أكان دعمًا فردياً أم مجتمعياً فهو يفتقد للحاجات النفسية اكثر من أي شيء آخر وهي التي يحصل عليها بانضمامه إلى أسرة ما فكما ترى" برنقل pringle إن هذه الحاجات النفسية ليست معزولة عن إطارها الاجتماعي فهي تنمو وتشبع أول ما تشبع في الأسرة"[66] وعند معرفة " أنّ الإنسان ليس إلاّ قدراً من العادات والتقاليد التي تتجلى آثارها في أفراحه وأحزانه، وفي حبه وكرهه، وفي سائر علاقاته بما حوله وبمن حوله"[67] سيفسر سلوك الأفراد المختلف بحسب التنشئة الأسرية التي نشأوا عليها،  فالكثير من اليتامى الذين أتعبتهم الحياة واصبحوا بلا مأوى سيصبحون ناقمين على المجتمع ، وتصبح كل سلوكياتهم تحت ظل هذه الظروف غير معروفة،  ومن السهل أن ينحرفوا عن الطريق فبوجود مجتمع ينظر لليتيم نظرة خوف على الرغم من ان شخصيته مكتسبة من محيطه الكائن فيه فالشخصية" في الواقع اكتسابية تنشأ في المجتمع، ولولا المجتمع لما نشأت الشخصية"[68] فإذا أصبح المجتمع يبعد هؤلاء فالنتيجة أنهم يصبحون كما متوقع منهم أن يصبحوا وبخلاف هذه النظرة أي عند ضم اليتامى لباقي أفراد المجتمع واعتبارهم جزءا مهمّا ممكن أن يساهم في بناء المجتمعات الإنسانية،  وهذا ما التزمه الإمام الحسين حين كفل اليتيم ومن قبله كان أبوه كذلك فقد أوصاه بذلك حين قال : "الله، الله! في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم"[69]. يجسد النص الآتي معنى  ضياع اليتامى نتيجة لغياب الداعم أو السند والولي يقول أبن داغر الحلي[70]:

قالت: الا يا عمتا وا حسرتا

يا عمتا كان الحسين يحوطنا

يا عمتا كان الحسين وسيلة

يا عمتا ماذا نؤمله ومن

يا عمتا ليس الصديق بزائر

يا عمتا واشقوتا من بعده

 

لشقاء أيتام له وأراملِ

وبه نصول على الزمان الصائل

ترجى، وقد قطع الزمان وسائلي

يعتادنا بعوارف وفواضل

أبداً، وليس عدونا بمجامل

ضعناً، فليس لكُلَّنا من حامل

 

البقاء دون المعين والوسيلة التي تؤمن أسباب العيش دون الحاجة للآخرين يؤدي إلى حدوث خللٍ في رابط العائلة،  فلا ينتظرهم سوى الشقاء ، لأن العدو لا يجامل والصديق لا تهمه إلا المصالح والمرأة في طبيعتها ضعيفة وهي بحاجة دائما إلى من يدعمها ويقف معها في الحياة،  ورحيل الداعم لها يصعّب من مسؤولياتها،  فتبقى منكسرة تكتفي بتذكر الأيام التي كانت فيها قوية بوجود هذا الأخ ( الداعم) فتقول السيدة زينب:  كان الحسين يحوطنا وبه نصول على الزمان الصائل هذا يدل على أن الحسين كان مصدر الأمن لعياله وبه تحتمي الأسرة وهذا المعنى تناوله الشاعر فيقول:

 

يا أخي يا واحدي ما

يا أخي من يُسعِدُ الأيتـــــــ

يا أخي ضاقت علينا

 

كان هذا في حسابي

ــــــــــــــامَ في عُظم المصابِ

بعدكم سُبلُ الرُّحابِ 

 

روابط الأسرة متمثلة بروابط الأخوة التي يتحدث عنها النص حيث تتجسد فيه كل مشاعر الأسى والفقدان لا سيما فقدان الأخ الذي يرمز له بالسند والمعين في الحياة فهو يمثل مصدر السعادة للأيتام . في النص الآتي مخالفة لمفهوم الوصية يقول ابن داغر الحلي[71]:

 

يا جد من أوصيته بحقوقنا

يا جد لو عاينت ما قد نالنا

 

من قبل خالف في الوصاة وضيّعا

لغدوت مُكتئباً علينا موجعا

 

على لسان نساء الحسين وهن يتحدثنّ إليه من خلال بث الشكوى له فيقلن:  من أوصيته بحقوقنا من قبل خالف في الوصاة وضيّعا ففي هذا البيت يذهب  الشاعر إلى نوع آخر من الوصايا إذ خالف الموصي له الوصية المعهودة له والعمل على مخالفتها إذ لم يكن يعنيه أمر الوصية. فللوصية  وظائف اجتماعية،  ووصية الإمام لها دوافع ووظائف دينية اجتماعية وأسرية وشد رباط الأسرة باعتبار الأسرة مؤسسة اجتماعية صغرى  بعد رحيل الأخ هي من وظائف هذه الوصية  يقول ابن حماد الحلي[72]:

 

وتناديه يا أخي لو رأت عيناك

كنت حصني من الزمان إذا ما

ضاقت الأرض بي، وكانت علينا

 

حالي رأيت أمراً عجيباً

خفت خطباً دفعت عني الخطوبا

بك يا سيدي فناءاً رحيبا

 

يبث النص الشكوى التي نتجت من فقد الأخ فهو يشترك في هذا المعنى مع غيره من شعراء هذه الفترة الذين وصفوا رابط الأخوة أو رابط الأسرة بالحصن المنيع، وهذا الحصن يتمثل بالأخ أو الأب الذي يدفع عن باقي أفراد العائلة شر الأخطار المحيطة بهم وبوجودهم ، كذلك يعلن ابن داغر عن الروابط الأسرية التي اصبح مثالها الإمام الحسين فيقول على لسان زينب[73]:

 

أخي إنْ تكن فارقت لا عن ملالة

أخي كيف أرجو في زماني مسيرة

أخي كيف أدعو لا تجيب كأنما

أخي إن فدت نفس لنفس من الردى

أخي قد دهتني الحادثات، وقد برت

أخي كيف يفنى الدهر عني خطوبه

 

فقد كنت قدماً زينتي وجمالي

وقدْ فارقتْ كف اليمين شمالي

تركت وصالي أو صرمت حبالي

فنفسي إذاً تفديك منه ومالي

نوائبها جسمي كبري خلالِ

وقد كنتَ فيه عدتي وثمالي

 

لم يكن السفر والمسير إلى الشام بدون رفقة الأخ خياراً سهلاً  فعلى حد قولها: ( قد فارقتْ كف اليمين شمالي) دلالة على انقطاع وصل الحامي الذي كان بمثابة اليد اليمنى لها ولعائلتها وهذه اليد التي أذهبت عنهم كل خطوب الدهر وبانقطاعها امسى عليهم مواجهة حوادث الزمان التي أنهكتهم وأتعبتهم فهي قد برت الأجسام كما تُبرأ الأعواد الصغيرة  فالأخت تَبثُ شكواها إلى أخيها الذي لم يكن فراقه عنها بسبب ضَجَرَه أو سأئمه منهم بل أعطى نفسه مرغما وفي سبيل بقاءه  بجوارهم فهي بإمكانها الذهاب إلى الموت بدلا عنه ، مثل هذه العلاقة الأخوية شكلت صورة إيجابية لحقبة معينة كأنما أراد الشاعر منها أن تتحقق في كل زمان لأن بهذه الأواصر أو الصلات ستقوى علاقات المجتمع. ويصور ابن حماد الحلي ضياع الأيتام والأرامل فيقول[74]:

 

أيا أُخت من بعد الحسين نعده

أيا أُخت هذا اليوم آخر عهدنا

أيا أُخت إبكي لليتامى بذلة

 

لحادثة الأيام حصناً ممنعا

فبعد حسين قط لن نتجمعا

ونوحي وإبكي للأرامل ضيعا

 

الحوار الذي دار بين الأختين بنات الحسين لفقدهن الأب فقد كان الحصن المنيع يبعد عنهن كل خطر وسوء والان يشهدن سقوط الجدار والحصن الذي كان قائماً ، فشعور الفقد المؤلم لم يقتصر على أحد دون أخر بل تعيشه الإنسانية جمعاء فهو أصبح جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، بسبب ما فيه من تواصل وتفاعل بين أفراد المجتمع عموماً وأفراد الأسرة الواحدة خصوصاً .يقول ابن داغر الحلي [75]:

 

أخي مَنْ عمادي في الزمان وناصري

أخي إن رمتني الحادثات بريبها

 

ولم يبق إلاّ شقوتي وهوان

فقد كنتَ فيها عدتي وأماني

 

تعاتب الأخ الذي ذهب إلى جوار ربه فتقول من سيكون العماد والناصر لها من بعد رحيله ، إذ لم يتبقَ لها سوى العناء والتعب وسوء الأحوال فقد كانت تدفع به الحوادث التي تصيبها وتواجهها لكنها الأن أصبحت هي من تواجه كل الصعاب بنفسها فقد ذهب من كان عدتها وأمانها. وفي النص الآتي نسق اجتماعي انكشف من خلاله الروابط الاجتماعية من خلال ثنائية النصرة والخذلان المتمثلة بموقف أصحاب الحسين فيقول الشاعر[76]:

 

يقول لأنصار له: قد أبحتكم

ألا فارحلوا، فالليل مرخ  سدوله

فما لهم من مطلب قد تألبوا

فقالوا جميعاً: ما يقال لنا وما

تقيك من الموت الشديد نفوسنا

أمن فرق نبغي الفريق وكلنا

فطوبى لهم قد فاز والله سعيهم

 

ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقال

عليكم ومنهاج البسيطة خالي

عليه سوى قتلي ونهب رحالي

نقول جواباً عند رد سؤال

ويرخص عند النفس ما هو غالي

لأولاده والعيش بعدك قالي

فكلهم في روضة وظلال

 

اتضحت وشائج الفريق الواحد من خلال قولهم: ( تقيك من الموت نفوسنا ويرخص عند النفس ما هو غالي) كذلك ( امن فرق نبغي الفريق وكلنا لأولاده والعيش من بعدك قالي) فانهم مستعدون لحمايته والوقوف إلى جانبه والقتال معه ولا يردعهم رادع فلم يكن الموت يوماً كاسراً لِهَمة البطل ورفاقه فقد حذرهم الإمام بأن الأعداء يريدونه لوحده، وبإمكان رفاقه أن يذهبوا ولا يمسهم شر إلا أن الروابط التي تربطهم حالت دون تركهم له والوقوف معه وتطرق لهذا المعنى علاء الدين الشفهيني يقول[77] :

 

ولا الجودُ موجودٌ ولا ذو حميّة

ولا صافحتْ منكَ الصفاحُ محاسناً

 

سواكَ فيحمي في حماك نزيلُ

ولا كادَ حسنُ الحال منك يحولُ

 

فالإمام وحده يحمل قيم الجود والحمية التي تجعل منه انموذجا للرجل العربي الشجاع . 

 

خاتمة البحث

وجدنا في خاتمة البحث ان اهتمام الشعراء كان  بالمنظومة القيمية والعادات والتقاليد، على اعتبارها جزءا من الموروث الثقافي الذي يعتز به الشاعر، كذلك كشف البحث عن بعض الشعراء الذين أُهمل شعرهم في تلك الفترة. وتأكيد الشعراء على مدح وتصوير نماذج دينية تمثلت بشخصيات منها: النبي محمد ﷺ والائمة من أهل البيت عليهم السلام، لان الشعراء وجدوا بهم خير من نقل العادات والتقاليد التي تعتبر مفخرة للعروبة.  كذلك اتخذ الشعراء  من النماذج الدينية سبيلا ومنفذا للخلاص من الوضع السائد في مجتمعهم ، لا سيما أنّ هذه الحقبة اتسمت بتدهور أوضاعها السياسية والاجتماعية.

REFERENCE
  1. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، علي الوردي، 13.

  2. المصدر نفسه، 13-14.

  3. شعر صفي الدين الحلي، جواد أحمد علوش، 18-19.

  4. دراسات في النفس الإنسانية، محمد قطب، 121.

  5. المصدر نفسه، 120.

  6. معجم مقاييس اللغة، 4\182.

  7. المعجم الوسيط، ط4، مكتبة الشروق الدولية، 2004، 635.

  8. معجم اللغة العربية المعاصرة، احمد مختار عمر، ط1، عالم الكتب، القاهرة ، 2008، 2\1572.

  9. السلوك الإنساني، كامل محمد محمد عويضة، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1996، 83.

  10. القيم والعادات الاجتماعية، فوزية دياب، دار الكاتب العربي، القاهرة، 106.

  11. صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية، محمد توفيق أبو علي، ط1، شركة المطبوعات، بيروت _لبنان، 2001، 26.

  12. العادات والتقاليد، إبراهيم مدكور، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 381.

  13. العادات الاجتماعية عند العرب، د وسيلة عاصم، 1.

  14. ينظر: القيم والعادات الاجتماعية، فوزية دياب، 143-150.

  15. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، علي الوردي، 192.

  16. المعجم الوسيط ، 754.

  17. معجم الغني، مادة تقاليد. 

  18. صورة العادات والتقاليد، محمد توفيق، 31.

  19. القيم والعادات الاجتماعية، فوزية دياب، 26.

  20. المصدر نفسه، 337.

  21. علم الاجتماع النظري، كارل منهايم، ترجمة إحسان محمد الحسن، دار الكتب، بغداد، 1993 ،188.

  22. القيم الاجتماعية، مقاربة نفسية-اجتماعية، الجموعي مومن بكوش، مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة الوادي، ع08، سبتمبر2014، 78.

  23. القيم والعادات الاجتماعية، فوزية دياب، 338.

  24. لسان العرب، ابن منظور، مادة فخر.

  25. ديوان ابن الوردي، 109.

  26. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، الطبري، ص30، العقد الفريد، 5\5.

  27. ديوان ابن الوردي، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ط1، دار الآفاق العربية، القاهرة، 2006، 110،111، 112.

  28. تنظيم الإسلام للمجتمع، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، 14.

  29. ديوان الخليعي، تحقيق سعد الحداد، 50.

  30. العقد الفريد، 3\269.

  31. ديوان صفي الدين الحلي، 1\120.

  32. العقد الفريد، 3\269.

  33. السلوك الإنساني، كامل محمد محمد عويضة، 30.

  34. العادات الاجتماعية عند العرب، د وسيلة عاصم، 17.

  35. معجم شعراء الحسين، جعفر الهلالي، 3\275.

  36. دراسات في النفس الإنسانية ، محمد قطب، ط10، دار الشروق، القاهرة، 1993، 251.

  37. أدب الطف، جواد شبّر، 4\179.

  38. المصدر نفسه، 4\173

  39. عبقرية الإمام علي، عباس محمود العقاد، 9.

  40. ديوان رجب البرسي، 91.

  41. أدب الطف، جواد شبّر، 4\275.

  42. العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، 1\115.

  43. لسان العرب ، ابن منظور، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، 5\3861.

  44. ديوان الخليعي، تحقيق سعد الحداد، 50.

  45. المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة، 121.

  46. ديوان رجب البرسي، 149.

  47. المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة، 122.

  48. ديوان رجب البرسي، 87، 88.

  49. نهاية الإرب في فنون الأدب، النويري، 18\169.

  50. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، علي الوردي، 34.

  51. السيرة النبوية، ابن هشام، 1\207-208.

  52. نهاية الإرب في فنون الأدب، النويري، 18\169.

  53. ديوان رجب البرسي، 121.

  54. لسان العرب، ابن منظور، مادة وصي.

  55. الوصايا في الأدب العربي القديم، د. سهام عبد الوهاب الفريح، ط1، مكتبة العلا، الكويت، 1988، 17.

  56. وصايا الأدباء والخلفاء والحكماء في العصر العباسي دراسة فنية، روناك توفيق علي النورسي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007، 15.

  57. لباب الآداب، الأمير أسامة بن منقذ، تحقيق احمد محمد شاكر، مكتبة السنة، الدار السَّلفيّة، القاهرة، 1987، 1.

  58. مشارق أنوار اليقين، رجب البرسي، 365.

  59. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني،  تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز- محب الدين الخطيب، ط1، دار الكتب السلفية، 3\163.

  60. ديوان الخليعي، 93-94.

  61. مقال حميد الشاكر، http://www.kitabat.info/subject.php?id=56363 

  62. أدب الطف، جواد شبّر، 4\275.

  63. مشارق أنوار اليقين، رجب البرسي، 358.

  64. تنظيم الإسلام للمجتمع، محمد أبو زهرة، 51.

  65. المصدر نفسه، 51.

  66. مقياس إشباع الحاجات النفسية الاجتماعية، نادية بوشلالق، دار المنظومة، ع119، جامعة التربية، مصر، جمادي الثانية، 220.

  67. الشعر الاجتماعي في العصر المملوكي، 233.

  68. [1]شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث، علي الوردي، دار ليلى لندن، 2001، 25.

  69. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، الباب 47،17\5.

  70. معجم شعراء الحسين ، جعفر الهلالي، 3\275-276.

  71. معجم شعراء الحسين، جعفر الهلالي، 3\303.

  72. المصدر نفسه، 3\372.

  73. معجم شعراء الحسين ، جعفر الهلالي، 3\271-272.

  74. المصدر نفسه، 3\375.

  75. معجم شعراء الحسين، جعفر الهلالي، 3\280.

  76. المصدر نفسه،3\270-271.

  77. ديوان علاء الدين الشفهيني، 133. 
Recommended Articles
Research Article
The Effectiveness of Using AI-Generated Visual Forms (ChatGPT) on Biology Achievement and Learning Motivation among Second-Grade Intermediate Students
Published: 25/02/2026
Download PDF
Research Article
Administrative Control Mechanisms over Acts of Public Administration in Iraqi Law
Published: 25/01/2026
Download PDF
Research Article
China in Ghana: a Benefactor or an Exploiter?
Download PDF
Research Article
The vulnerability of children and the incidence of ‘baby factory’ in Ngwaland, Abia State of Nigeria
Download PDF
Chat on WhatsApp
Flowbite Logo
PO Box 101, Nakuru
Kenya.
Email: office@iarconsortium.org

Editorial Office:
J.L Bhavan, Near Radison Blu Hotel,
Jalukbari, Guwahati-India
Useful Links
Order Hard Copy
Privacy policy
Terms and Conditions
Refund Policy
Shipping Policy
Others
About Us
Team Members
Contact Us
Online Payments
Join as Editor
Join as Reviewer
Subscribe to our Newsletter
+91 60029-93949
Follow us
MOST SEARCHED KEYWORDS
Copyright © iARCON International LLP . All Rights Reserved.